www.tirej.de                                                                  

      صحيفة إلكترونية مستقلّة تُعنى بشؤون الثقافة والإبداع   

 

  

الطاهر بن جلون

"أغنية الأطفال الغاضبين"

سليم بركات يضع كتابة حرة ومجنونة وخطرة في خدمة معرض عجيب من الشخصيات

"هاته عالياً... هاتِ النفيرَ على آخره"


الترجمة عن الفرنسية: إبراهيم فرحان خليل


الواقعية مستحيلة. حاوِلوا وصف ضيعة من الشمال السوري وستدركون أن ليس سوى طريقة واحدة لتصوير هذا الواقع هي تجاوزه, ابتكاره بفضل هوى الطفولة وقسوة مراهقة وحشية.

إن رواية سليم بركات - الكردي الذي عاش حتى عام 1971 في شمالي سوريا - أعجوبة نقية، مفاجأة الأدب العربي الشاب الذي يتطلع إلى قطيعة مع الرواية السوسيولوجية "الملتزمة".

سليم بركات الذي يقص هنا فترة مراهقته في سنوات الخمسينيات هو أفضل من أن يكون شاهد عصر. لقد انحاز إلى جانب السخرية والهذيان والأعاجيب اليومية كما هي سائدة على أرض محروقة, بلد يسير على غير هدى حيث يعيث بوليس سياسي وجيش قادم من العصر الحجري.

يوضح الراوي أن "عناصر الجيش يأكلون أفاعٍ حية وكلاباً وعقارب". وجميع الناس يجدون في ذلك أمراً طبيعياً. يجب القول إن الطبيعي في هذه المدينة التي لاتحمل اسماً غريب بما فيه الكفاية.

هناك أيضاً مجنون القرية الذي لابد منه والذي يشتم الغيوم والمارة: "تحملون خصياتكم إلى البلدية ليكتبوا عليها محاضر الضبط". تفو على مؤخراتكم". كشومشو, شخصية أخرى مجنونة أيضاً ومحيرة أكثر, يقدم نفسه على أنه "مخلوق جهنمي". سيفي حارسة الجداول الوهمية. "قزو" عتال يتجول متوهماً أنه يحمل أكياساً على ظهره, العم الصوفي يتنبأ بظهور كوكب باكٍ ويعتقد أن "التعب نعمة للمؤمن". باسيل, الفران الأعور الذي يمضي معظم وقته في لعب الورق مهملاً زوجته "لامو" التي تمنح نفسها للأجير. خانو, "المستديرة في البياض المستدير" تضع بلوغ الأطفال على المحك. ابن حجي كفر "مسؤول الضحك على الأرض". يعقوبو, المتسول الفأفاء, لديه عضو طويل بحيث يلف به خصره. "بيري" الحرامي الذي لايقف في وجهه شيء, لاالرمل ولاالهواء فهو يسرق كل شيء. أمينة, القهرمانة, ملكة حقيقية. جعفر, ملك اليانصيب, يمسح الأرقام لئلا يربح أحد. مارغو, الممرضة المهووسة بالجنس: "لم يكن الناس يذهبون إلى المشفى للعلاج وإنما للقاء مارغو". حسينو الذي يجمع صور النساء العاريات وبغدي الأحدب كواء الثياب يأتي إليه للتفرج عليها.

تهديد

كل هذه الشخصيات تعيش ضمن فضاء صحراوي يخيم عليه تهديد: عودة ميرو, ليس الرسام, ولكن الدكتاتور الكبير الذي يسلخ البشر ليلبس جلودهم. إنه يعيش في مكان ما مع أكباش عملاقة. الناس يرتلون مدائح الخراب تجنباً لمجيئه ويراقبون الديكة, لأن "هياجهم يشير إلى قرب وصول ميرو".

لاشيء طبيعي, ولاحتى مقبرة توبز, هناك حيث يجتمع الأموات منذ آلاف السنين حول قِدْر موضوعة على نار هادئة. يجري هذا في الشمال. ولكن الشمال بأسره امتحان مخلوق بالصدفة. إنها قسوة لايمكن للمرء أن يفعل شيئاً إزاءها. أمام كل هذه اللعنات, يعترف الراوي الشاب "سلو" الذي يتأهب للعب دور الرجل: "ولأننا هكذا, لأننا جزء من لهاث الشمال الأبدي, وأبناء آباءٍ انحسرت جباههم تحت مطارق الحكومات فلم يعودوا يأبهون أن يرونا هكذا".

هؤلاء الأطفال الغاضبون الأشرار عديمو الشفقة لايطالبون لابالبراءة ولا بالظروف المخففة. ترمي بهم الأمهات إلى الطريق ليتعلموا مبكراً أن "الحياة ليست هدية".

العنف هو صيغة تعبيرهم. يتدبرون أمورهم ويكرسونها فيما بينهم وضد الآخرين. وكما يقولون: "كنا نزوّق النص ونمهره بحافر الحمار".

يكشف سلو قناعه في نهاية الرواية: "سلو الآن رجل. سلو, إنه أنا الرجل الصغير الهارب دائماً, المدقق المتفحص في الحسابات الكبرى للشمال".

يصمم هو ورفاقه على رفض مجيء ميرو وربما على "النهوض بالعالم العربي إلى السدّة التي انزلق عنها".

رواية بارعة ومترعة بالشعر رغم كل هذا العنف.

سليم بركات ينتمي إلى ذلك الجيل من الكتاب العرب الذين أسسوا لزوال الوهم كقيمة وللوضوح كمطلب. إنه لايروي الحكايات. والشاعر ليس في خدمة أي أمير. زمن الهجاء والبلاغة قد ولى. ولم يبق سوى سحر الكتابة الحرة, مجنونة وخطرة.

يعرف سليم بركات أن لامنقذ سوى الكلمات، وعلى الأقل لإنقاذ أشيائه, تلك التي يبتلعها الشمال أو يلفظها باتجاه الجحيم.

رواية مدهشة (مترجمة بإتقان، ترجمها من العربية إلى الفرنسية: فرانسوا زبال) تذكرنا عبر بعض صورها برائعة المكسيكي خوان رولفو (بيدرو بارامو).


 


 

* ملحوظة : فهم بن جلون (وربما فرانسوا زبال من قبله) من عبارة (سيفي حارسة الجداول الوهمية) أن كلمة "جداول" هنا تعني "دفاتر وسجلات registres"، في حين أن سليم يقصد بها ـ وكما هو واضح من سياق النص الأصلي ـ مجاري المياه. المترجم.


 


 

 

                           

 

أرشيف العام 2010 3 4

    أهلاً بكم في موقع تيريز

تشهد غيَّها في العبور

 www.tirej.de