|
|
|
سليم بركات موتى مبتدئون (عبور إلى دُوْكُون) ثلاث قطرات من الدمع نزلت، تباعاً، على المبرد الحجر في يد الرجل المرهق العينين، وهو يرعى ببصره الأيائل التي ترعى، على بُعْد، بين أشجار الصنوبر والبتولا. أيائل بقرونٍ فضَّةٍ لاكقرون جنْسها، ووبرٍ ذهبيٍّ لاكوبر النَّسل ذاته في أرض سكوغوس ـ إقليم العبث المعتدل. أية لوعة أيقظ الحيوانُ المشتعلُ القرون بلالهب في قلبه ـ قلبِ الوريث المُعتَّق بخمائر المجهول الوارث؟ لاأيائل في أرض دوكون، التي جرَّ منها السفينةَ، عبر البر، إلى بحر هِيْلاكْرِيْتُوْثِيْنِيْسْ، لكنها تشبه ضراعةً مَّا، مجسَّدةً في شَكلٍ، رُفِعَتْ دهراً بعد آخر، بالكلمات المرتعشة ذاتها، إلى الألمِ المنقِّبِ، بين متاعه المُبَعثر، عن نهاية وديعة، متعَبة من تأمُّل نَفْسها كنهاية. أيائلُ ضَراعةٌ كانت تتهادى وراء حُجُب الظلال الرقيقة، ولأقدامها هسيسٌ كهسيس شفرة المدية في احتكاكها بالمبردِ الحجرِ، حين انحدرت قطرتان أُخريان من الدمع على النصل المسنون. توقف الرجل المرهق العينين عن سَنِّ آلته الرهيفة. جمعَ عقلَه وبصرَه في شعاع مضفور استقرَّ على حدبةٍ من الأرض، في البرزخ، بين المياه والبر: تماوجَ الماء. خفق خفْقاً مضطرباً. ارتفع قليلاً ثم تقعَّر. خرج رأس رجل تنفَّس كاليائس. شهق فأفرغ الهواءَ من أرقامه الأزلية. أمسك بوحل الشاطىء يجرُّ نَفْسه عليه هارباً مرتاعاً من أن تعيده المياهُ إليها. زحف مَدىً على العشب قبل استيقانه النجاةَ. استلقى لاهثاً. تسع عشرة برهة انقضت بطيئةً لزجة، رفع بَعْدها الرجلُ المبتلُّ رأسَه يستجلي مَهبَّ وجوده. استقرَّت عيناه على المُرهق العينين. تراخى عَصَبُه المنقبضُ فاستوى واقفاً في معطفه الطويل، المتفسِّخ المفاصل. هرول إلى الجالس على الجذع المهشَّم: "لماذا سكونُك؟"، قال بصوتٍ فيه توبيخ خفيٌّ. دار بوجهه على الجهات فاهتزت خصلُ لحيته وشعره المبتلة الطويلة. "أنا في عجلة من أمري". لم يتحرك من الرجل، الجالس على الجذع المهشَّم، سوى عينيه وهما تتقرَّيان ثيابَ الرجل الخارج من الماء ملتصقةً بجذعه، وخطى حذائه المهترىء، الموحل، متردِّدةً، غريقةً في قلقها تحت ثقل كلماته: "أنا في عجلة من أمري". عاد ببصره إلى المدية والمبردِ في يديه. سنَّ المعدنَ الحديدَ على المعدنِ الحجرِ، فأثار سكونُه قلبَ الخارج من الماء: "ويْلَك. ألاتنهض؟"، قال المبتلُّ من شعره إلى حذائه. أمعن النظر إلى المُرهق العينين يغتلي ارتياباً: "لماذا لاتتكلم؟ ألستَ على عجلة من أمرك مثلي؟". جمع ذيلَ معطفه واعتصرَهُ: "أين الآخرون؟". تحرك في الاتجاهات كلِّها، برهةً بعد أخرى، يقيسها بخياله المتخبِّط: "ربما لم أتعرَّف إلى اسمك، لكنك كنتَ معنا تجر السفينةَ إلى هِيْلاكْرِيْتُوْثِيْنِيْسْ"، قال، ثم عاد إلى دورته في المكان منقِّباً عن ثغرة في السَُّور اللامرئيِّ. وجَّه خطواته إلى الظلال المُلتفَّة لشجر البتولا. دخلها مندفِعاً. غاب قليلاً ليعودَ طائشَ النظر من البلبلة: "ألاحظتَ أنني خرجتُ من الماء؟"، ساءل الرجلَ المُرهقَ العينين. تبدَّل صوتُه مكتسياً نبرةَ الذاهل: "ماذا يفعل هذا البحر هنا؟ تكلَّم، أيها الشريك القادم معي من دُوكون"، قال وهو يجثو أمام الجذع المهشم، واضعاً راحته اليمنى على فخذ المُرهق العينين. تمتم: "تكلَّمْ". وضع راحته اليسرى، في رفق، على المدية والمبرد يوقف احتكاكَهما العابرَ، بهسيسه، كالشفرة على قلبه الخائف: "أين السفينة، التي جررناها، ألف فرسخ، عبر سهول دُوْسْخو؟". سحب الرجل المرهق العينين يديه من تحت راحة الرجل الخارج من الماء. حرَّر حركةَ المديةِ على المبردِ الحجرِ، ارتفع هسيسُ المعدن ثانيةً. نهض الرجلُ المبتلُّ. مشى في ثقلٍ باتجاه الشاطىء: "أهذا بحر هِيْلاكْرِيْتُوْثِيْنِيْسْ؟"، قال. أطرق يائساً: "مهما يكن من أمرك، ياشريكي القادم من دوكون، فأنت لاتتصنَّع، بهدوئك الثقيل، ماينبغي أن يُرْبكني. لقد رأيتَ شيئاً هنا. هدوؤك اعترافٌ. صمتُك ثِقةٌ. اسْمعْني. ارفعْ عينيك إليَّ. اسمعْني بهما. اسمعْني بعينيك، ياابن أرض دُوكون. أستطيع أن أغنِّي من ذهوليَ. الذهولُ يحرِّك عَصَبِ الغِناء في العضل. اللوعةُ تحرِّك عصبَ الغِناء في العضل. الصوتُ عضلةٌ بثلاثة وثلاثين عَصَباً. التائهون، والمغدورون، والمنتظرون طويلاً، والضَّجرون، والأَرِقون، والمخدوعون، والعائدون من نصر بلاغنائم، والقلِقون، والهادئون، والمنكوبون في الحبِّ، والمنهوبون، والوادعون الرقيقون، والغرباء، والجزَّارون في أقبية المسالخ، والأسرى، والنّوتيون، والقيَّافون، هؤلاء يستطيعون إحصاءَ الأعصاب بتمام عَدَدها، في الصوتِ ـ العضلة". سرح الرجل المبتلُّ ببصره على الغَمْرِ العريق. نفض بيده قطرتِ ماءٍ استقرت على نهايات شعره المتفرِّق خصلاً: "أكره البحر"، تمتمَ. "كيف اقتنعتُ أن أجرَّ سفينةً، عبر سهول دوسخو، إلى البحر؟ البحر ذاكرةُ أشباح. الأشباح لايتذكرون إلاَّ البحر. كل غيبوبة تبدأ بمياه تطفو على الذاكرة. الوجودُ عقلُ مياهٍ؛ عقلٌ عبثٌ كلَّما ترامت المياهُ واتَّسعتْ. فوقنا مياه. نحن في سهولٍ فوقها مياهٌ معلَّقةٌ سقفاً بلاأعمدة. نحن مُهدَّدون بالمياه؛ موعودون بالمياه كحِظْوة. أجسادنا مثقلة بالمياه، والبحر تذكير بذلك. البحر تذكيرٌ بأننا لانملك إلاَّ ذاكرات أشباح". وضع قدمه في الماء، وعاد فاسترجعها. التفت بوجهه إلى الرجل المرهق العينين: "لماذا غادرتُ دوكون إلى البحر؟"، قال. أغمض عينيه: "أظنني أردمُ بعقلي مايحفره لساني. لساني على صواب، وعقلي على خطأ. المسألة ليستِ البحرَ، ياابن أرض دوكون". فتح عينيه: "المسألةُ ليست التماثيلَ المعدنَ، المنتصبة قبالة بحر هِيْلاكْرِيْتُوْثِيْنِيْسْ، بل السفينة. المُعضلة كلها هي السفينة، التي لم نكن في حاجة إليها ـ سفينةُ التيه في البرِّ. مِنْ بلوغ السفنِ البرَّ تبداُ المعضلة. على السفن أن تبقى في مياه لايُرى منها البرُّ. ينبغي أن لاتصل السفنُ إلى برٍّ. البرُّ مُحْتَملٌ بلا سُفن، والسفنُ مُحْتَملة بلابرٍّ. أما المياه فهي حُكْمٌ بالإقامة نستخلصه من الرحيل بلارغبةٍ في الرحيل". فتح معطفه المتفسِّخ المفاصل يستعرضُ البَلَلَ على الهواء: "أنا أخلط على لساني صوابَهُ بشبهات عقلي، ياابن أرض دوكون. كيف خرجتُ من المياه؟ ماذا كنتُ أفعل في المياه؟ لماذا كنتُ هناك؟ أخرجتَ، أنتَ، من المياه، أيضاً، ياابنَ أرض دوكون؟"، قال في تعبٍ. تراخى هيكله تحت ثقل أعماقه. تكلَّم، من جديد، بصوتٍ نازفٍ: "يبدو الأمر كلُّه مملاًّ: البحر مُملٌّ. البرُّ مملٌّ. السفن مملَّة. نحن مملُّون. إنْ لم نكن مملِّيْنَ اليومَ نَصِرْ مملِّيْنَ غداً. سأمزِّق هذا البحر كوسادة. أعطني مديتك"، قال، متقدِّماً صوب الرجل المرهق العينين. أُجفل الرجلُ المرهق حين مدَّ الآخرُ يده إلى المدية. نهض محدِّقاً فيه ببصرٍ مَزْجٍ من الإمتعاض والشرود، متجاوريْنِ، على نحوٍ لايتصالحان في النظر عادةً. تمتم الرجل المبتلُّ: "أنت تسمعني بعينيك، الآن". تقشَّرتْ ظلالُ البتولا كقشر الكستنة فظهرتِ الأيائلُ. تقدَّمت سارحةً في اتجاه الشاطىء. التفت الرجل المبتلُّ إليها بجسده كلَّه مُستثاراً. غَمَرها بخيال قلبه ـ قلب سهول دوكون المُعلَّقة بحبالٍ ترابٍ فوق بوَّابات الأرض. ارتعش شهوةً، أوشوقاً. "هاهي"، قال مشيراً إليها. مشى كأنما يسبقها إلى الشاطىء ليلتقيها، وهو يرمي خلفه كلماتٍ مُؤتَمَنةً على معناها: "أنا في عجلة من أمري". هرول الرجل المبتل. ركض مندفعاً إلى المياه. اقتحمها. شقَّها برهةً، ثم انطبقت عليه. رتَّقتِ المياهُ المياهَ، من فوقه، بخيطٍ زَبدٍ. جلس الرجل المرهق العينين على الجذع المهشَّم. سنَّ المديةَ على المبردِ الحجر تحت شعاع الشمس الخاملة. انكسر الشعاعُ بعد قليل متناثراً في عبور ثلاث غيوم، دقيقةٍ، أشبهَ بالسحالي. رفعتِ الأيائلُ أعناقَها متوجِّسةً. تقاربنْ. دار بعضُها حول بعض ثم انسلَّتْ، صفَّاً غيرَ منتظم، جنوباً، عبر منعرجات الشاطىء. ارتفع هسيسُ ورقٍ في ظلال البتولا. تفتَّقتِ الظلالُ عن اثني عشر شخصاً، وأربعة كلاب رمادية، يتقدمون بخطى متمهِّلة أفرغتها الشيخوخةُ من خمائر العَجَلة. نظر بعضهم إلى بعض حين وقعت أبصارهم على الرجل المرهق. لكنهم بدوا مشدوهيْن لمرأى الزحافات الستِّ مبعثرة من حول الجذع المهشم، الذي يجلس عليه الرجل المُرهق. أمسكت إمرأة منهم بكمِّ شيخٍ يجاورها: "أَسَماءٌ واحدةٌ تُتْلِف خشباً كريماً كخشبِ هذه الزحافات، في ثُلث دورةٍ حول هيكل النجوم، ياقناعَ الوعل ـ بُوْلْبون الصاخب؟"، فردَّ الأحمرُ الوجه، الضيِّقُ الأجفان: ـ ربما سماءُ هذا المكان سماءٌ خَلٌّ تُفَسِّخُ وتُذِيْب، يازوجتي سَاسْكا. أطرق الرجل المرهق العينين بعد نظرة مبتورة على هياكل القادميْن. سنَّ المديةَ على المبرد الحجر. * فصل من الرواية، خاص بـ تيريز. |
|
|
| أرشيف العام 2010 | 3 | 4 |
|
|
تشهد غيَّها في العبور
|
|