تحدث عن الشعر والرقابة و سوريا في مناطحة مع جدار 1/2
منذر مصري: لم أكن يوماً قومياً سورياً ولا بعثياً ولا شيوعياً لتدفع بي الأيدي
خلف علي الخلف
منذر مصري «صديق الأجيال اللاحقة».. عندما عرفت أنه على حافة الستين انتابتني دهشة تشبه البلاهة! كنت أحسبه من «عمر» أصدقائه إبراهيم قعدوني وماجد المذحجي! وبقي شاباً حتى وهو يتجاوزها في البكالوريا قادني «معلمي» في الابتدائية وصديقي لاحقاً ليعرفني على شاعر في الرقة من المهم أن أتعرف عليه؛ الغرنوق عبد اللطيف خطاب صديقي الذي رحل باكراً. كانت قراءاتي ماتزال في جيل الرواد الذين أصدرتهم دار العودة ذات القطع الصغير والغلاف الأحمر التي اقتنيتها كلها من مصروفي المدرسي.. ولم أصل لما بعدهم. أعطاني الغرنوق رزمة من الكتب عليّ أن أقرأها إذا كنت أكتب الشعر كان من بينها «بشر وتواريخ وأمكنة» و «أنذرتك بحمامة بيضاء» أحببت عنوان بشر وتورايخ وأمكنة وعلق في ذهني اسم الكتاب واسم منذر. لم التق منذر إلا متأخراً اظن في عام 2005 في مرسمه وقد سمح لنا بالتدخين باعتباري أول مرة أزوره على أن تُشعل سيكارة واحدة، وما زلت أكره من كانوا معي لأنهم استغلوا الفرصة ودخنوا أكثر مني بكثير. حتى الآن لم أقرأ منذر كاملاً لأنه لم يصدر كاملاً أصلاً، لكن مع دخولي «عصر الأنترنت» تجددت صلتي به.. ولفت انتباهي أيضاً أنه لم يزعل مني عندما رددت عليه بمقال «عراقهم يا منذر مصري» عندما كتب ملفه «عراقي»، زعم لاحقاً «ومحقاً» أني داريته في مقالي كآنية قابلة للكسر. وإذا كان الممثل الأمريكي وليم روجرز قد قال «لم التق أنسان لم أحبه قط» فإني لا أتوقع أن هناك من التقى منذر ولم يحبه... هذا الحوار بدء على ما أذكر في عام 2007 ولم ينته إلا في عام 2009 بعد العديد من التهديدات والوساطات والأصدقاء والصديقات وفي كل مرة يتحجج أن أسئلتي «سخيفة» [المفردة من عندي لكن حججه الدائمة كانت تعبر عن هذا] حينها لم تكن هناك الكثير من الحوارات قد أجريت مع منذر وخلال هذه الفترة أنجز حوارات عديدة ونشرت في أماكن كثيرة، وصدر له كتابين وأصدر الجزء الأول من أعماله الشعرية، وأنطولوجيا «الإنعطافة» التي أضفت سؤالا حولها لاحقاً. وقال جزءاً مما ورد في هذا الحوار في حوارات أخرى.. الخ. وجاء توقف جدار ليضيف بعداً تأخيرياً آخر لهذا الحوار الذي لم يكن ميسراً أبداً. لكنه هنا يفيض في الإجابة التي يزعم أنها رداً على أسئلتي الطويلة و«المشربكة» لتشكل هذه الاجابات بانورما حول ما يراه في الشعر وسوريا وأشياء أخرى..
في التعريف الذي أقدم به للحوارات يمكن أن نكتب عن منذر مصري:
إنه من مواليد اللاذقية 27- 5 – 1949؛ درس العلوم الاقتصادية في جامعة حلب، وحصل على دبلوم في الاقتصاد من بولونيا 1979. صدر له «بشر وتورايخ وأمكنة» عن وزراة الثقافة السورية عام 1979- «أنذرتك بحمامة بيضاء» ديوان مشترك مع مرام المصري ومحمد سيده عن وزارة الثقافة عام 1983- «داكن» عن وزارة الثقافة عام 1989 [أتلف ولم يوزع]- «مزهرية على هيئة قبضة يد» عن دار رياض الريس عام 1997 - «الشاي ليس بطيئاً» عن دار الريس عام 2004- «من الصعب أن ابتكر صيفاً» عن دار الريس عام 2008- وكذلك صدر له مجلد الأعمال الشعرية بعنوان«المجموعات الأربعة الأولى» [متضمناً: أمال شاقة، بشر وتورايخ وأمكنة، كن رقيقي، دعوة خاصة للجميع] عن دار أميسا بدمشق عام 2006. أيضاً طبع قصائد عديدة في كراسات صغيرة، تم توزيعها على الأصدقاء .. يرسم وأقام معارض فردية حتى عام 1983 وشارك في معارض جماعية وبعض التظاهرات تشكيلية. أقام عروض شعرية بصرية في دمشق وحلب وكافالا في اليونان...
* منذر مصري شاعر مهمل... له حضور كاسم وغياب كنص هذه الحالة سببها أشياء عديدة كما أوضحت دائما في كتاباتك، منها ما هو شخصي ومنها ما يخص الوضع السوري بشكل عام: (الرقابة -غياب منابر النشر – القرب والبعد عن الاشتباك مع السلطة خارج الشعر.. الخ) كيف تأتى لك أن تحضر كاسم وتغيب كنص، وفي الوقت نفسه يعتبرك البعض احد المهمين في القصيدة الجديدة في المشهد السوري والعربي إلى حد ما.. كيف تشكّل هذا؟ ألا يعتبر هذا تسويقا خارج النص قامت به شبكة من العلائق (الشخصية) بعيدا عن نصك لأنه في حالتك غائب؟
- هذا ليس سؤالاً، هذه حزمة من الأسئلة، الشائكة والمغرضة.. أسئلة أسئلة أسئلة، منذ زمن، وأنا أجد الناس حولي يقيمون المدائح للأسئلة، فالفن سؤال! والثقافة سؤال؟ والهوية سؤال!؟.. يردّدون ذلك دون أن يتعبوا أنفسهم بالسؤال، ولو لمرّة واحدة، ما إذا لم يكن الأمر كذلك حقاً، أو ما إذا لم يكن الأمر كذلك فقط، أو ما إذا كان يليق بفنان أو مثقف ترداد قول كهذا، مراراً وتكراراً، لمجرد أنه سمع يوماً أحدهم يقوله، فأعجبه هذا اللاّ جواب!؟. ثم تأتي المقابلات، الكتابية أقصد كهذه، حيث يعد المحاور أسئلته بدقائق، كيفما جاءت تجيء، وبعدها على من يجري الحوار معه أن يقضي أياما، وبحالتي شهوراً، يعمل بالأجوبة.
العزيز خلف، مقابلة كهذه ستزيد من توسيع رقعة الفكرة التي باتت تنتشر عني، وهي قيامي شخصياً، وبدعم من أصدقائي، بحملات دعائية شخصية لصالحي!؟ سيأتي، ليس البعض، بل الكثيرون، ويتحدثون عن عمّا أطلقوا عليه، طاووسيتي ونرجسيتي، أما عنك فسيقولون أنك تدلّس لي لكونك من الغاوين أتباعي! وفي الحوارات لا يمكن للمحاوِر إلا أن يلف ويدور حول من يحاوره، ولا يمكن للمحاوَر مهما لف ودار أن يهرب من الحديث عن نفسه، فماذا نفعل؟!.. ولكن تبّاً تبّاً.. هل نحن من أولئك الذين يبالون بأمور كهذه وبأناس كهؤلاء؟..
لم أكن يوماً قومياً سورياً ولا بعثياً ولا شيوعياً لتدفع بي الأيدي التي تحمل المشاعل، أو الملطخة بزيت المحركات، أو تلك التي ترتدي القفازات..."
أنت تقول: « منذر مصري شاعر مهمل» وفهمت أنك تقصد (مُهمَل) بفتح الميم الثانية، ولكني في الحقيقة، في الحقيقة!؟ لست كذلك، أو على الأقل لست مهمَلاً للحد الذي يصلح فيه أن تبدأ أسئلتك به! لذا رغبت لو أنك قلت: منذر مصري شاعر (مهمِل)! وبدون أي محاولة من قبلي التباهي بإدعاء شيء كهذا.. ولكن ها أنذا أعيد وأكّرر: ليس فقط أغلب شعري لم ينشر، بل أني لم أبيضه وأعده في مجموعات لليوم، وكأن أحداً أعطاني زمناً لا نهاية له، زمناً بلا زمن!. أمّا قولك « له حضور كاسم وغياب كنص»... فهذا يستدعي سؤال: « من أين جاء اسمي إذن!؟ هل سوِّق اسمي بدون نصّ مصاحب!؟ هل رنين اسمي جميل لهذه الدرجة!؟؟». حضوري كاسم، بالتأكيد، جاء من حضوري كنصّ، قصائد لي لفتت الانتباه، كتاب عنوانه: (بشر وتواريخ وأمكنة) /1979/ مجموعتي الشعرية الثانية، بعد أن لم أوفق بإصدار باكورتي (آمال شاقة) من قبل جهة ناشرة ما. (بشر وتواريخ وأمكنة...) كان وحده يكفي ليجعل لي اسماً.. الشاعر يحتاج كتاباً واحداً، كتاباً واحداً جيداً، هذه حقيقة، اسأل عن هذا الشاعر الذي لعبه شخصيته ريتشارد بورتون في فيلم جوزيف لوزي (بوم)، وكذلك والت ويتمان، وأزرا باوند، وبرتولد بريخت!! ثم أني لم أكن يوماً قومياً سورياً ولا بعثياً ولا شيوعياً لتدفع بي الأيدي التي تحمل المشاعل، أو الملطّخة بزيت المحركات، أو تلك التي ترتدي القفازات، وتفتح لي الأبواب المغلقة، ولا أنتمي لأي عشيرة كبيرة أو صغيرة، ولست ابناً لأية أقلية طائفية أو قومية تعاني شعوراً حاداً بالنقص. جئت من حارة الصباغين التي تصل بين حارتي الصليبة الشهيرة والشحادين، وبين حي الكاملية في اللاذقية، من أصول عائلية مختلطة، جدي لأبي مسلم سني مصري وجدتي مسيحية، وجدي لأمي (نحلوس) من أصل تركي، وزوجته (فاطمة مهدية) من سلالة روشان ذات الأصول الفارسية. مما أدّى لأن يلغي الناس كنيتنا (شعراني) ويلقبوننا بالبلد الذي جاء جدّ أبي، أو جدّ جدّ أبي، منه، (مصري) وكأنه ليس لنا اسم.
الماغوط شكل بالنسبة لي، كما بالنسبة لغيري، باعتقادي، مؤثر إعاقة أكثر منه مؤثر انطلاق"
كثيراً ما ذكرت أني أتيت إلى المشهد الشعري السوري من خارجه، لم أولد فيه، هذا طبيعي، وأحسب أغلبنا هكذا، ولكني أيضاً لم أترعرع فيه. أول ما نشر لي من قصائد كانت بعنوان (متتاليات) في الموقف الأدبي عدد الحرب نهاية /1973/ وبداية /1974/. وكان يرأس تحريرها آنذاك زكريا تامر، الذي أبدل عنوانها إلى (رحلات شقائق النعمان) فأعجبني، وأبقيت عليه. قالوا وقتها إني شاعر هبط من القمر، وإني فاكهة جديدة في سوق الشعر السوري(شوقي بغدادي)، وإن منذر مصري صاحب أول اقتراح للقصيدة الحديثة في سوريا (خلدون شمعة) قال ذلك عند نشره (المقاطع الأربعة) من مجلة المعرفة التي كان سكرتير تحريرها، عارضاً علي أن يكتب مقدمة لكتابي (بشر وتواريخ وأمكنة) ولكني وقتها كنت في الصفّ المقابل..
سأل يوسف بزي عني شعراء سوريين في دمشق، منهم من كنت أعتبره صديقاً لي، فيقول له إنه لا يعرفني! "
من (سنجاب يقع من البرج) شوقي أبي شقرا، و(ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة)، أنسي الحاج، و(المدار المغلق) جبرا إبراهيم جبرا، و(ثلاثون قصيدة) توفيق الصايغ... جئت. أمّا الماغوط فقد شكّل بالنسبة لي، كما بالنسبة لغيري، باعتقادي، مؤثر إعاقة أكثر منه مؤثر انطلاق أو تقدم! أو كأنه في إطلاقه لسراح قصيدة النثر كان قد وضع على عنقها طوقاً وعقد عليه حبلاً!. لذا أستطيع الادعاء بأني كنت ناشزاً إلى ذلك الحد، عن القصيدة السورية السبعينية التي تشكلت تحت السحر الطاغي للمؤثرات الماغوطية. والتي جسَّرت بحق بين تجربتي الشعر السوري، من قصيدة التفعيلة الستيناتية السورية بامتياز، إلى قصيدة النثر السورية السبعيناتية وما بعد. أقصد أنه كان هناك سياق طبيعي مضت عليه القصيدة السورية، كنت خارجه. إلا أني لا أستطيع أن أدّعي بأني كنت منبوذاً. بل على العكس، طبع لي (بشر وتواريخ وأمكنة) في وزارة الثقافة بترحاب حقيقي، ثم بعده بخمس سنوات أصدرت الوزارة المجموعة المشتركة (أنذرتك بحمامة بيضاء) التي عرّفت السوريين بشعر أختي مرام مصري وشعر صديقي محمد سيدة (1941-2003). بينما كان لا يتاح لعديد من الشعراء فرصة نشر قصائد في الدوريات والصفحات الثقافية السورية. نعم علي أن أعترف بهذا الإيثار، إلى أن جاء منع صدور مجموعتي (داكن) بعد الموافقة عليها وطبعها من قبل وزارة الثقافة بالذات، عام /1989/، مما أدّى إلى قطع أي نوع من العلاقات، الأدبية والشخصية بيني وبين الوزارة لليوم. وقد استغرقني ثمانية عشر عاماً، من (بشر وتواريخ وأمكنة) /1979/، إلى /1997/، ليصدر لي في بيروت عن شركة رياض الريس للكتب والنشر مجموعة (مزهرية على هيئة قبضة يد). أمّا كيف حصل لي شيء رائع كهذا!؟، فالأمر أشبه ما يكون بقصة خرافية. تصور شاعراً لبنانياً يدعى يوسف بزّي، المحرر في مجلة (الناقد) البيروتية بعد أن صارت تصدر في بيروت، كان في زيارة لدمشق، فيلتقط مجموعة (بشر وتواريخ وأمكنة) من بسطة كتب على أحد الأرصفة. وربما كان يعرفني سابقاً من قصيدة (ساقا الشهوة) التي نشرت في (الناقد) ومزقت عند دخول العدد سوريا. فيسأل عني شعراء سوريين في دمشق، واحداً منهم كنت أعتبره صديقاً لي، فيقول له إنه لا يعرفني!. نعم الناس يناصبونك العداء لأسباب كهذه، أقصد لذنوب هم من ارتكبوها. وبعد عودة يوسف لبيروت يتصل بي ويسألني ما إذا كنت مهتماً، (مهتماً؟! بالـتأكيد مهتماً)، بطبع مجموعة شعرية في دار الريس؟. منذ بداية كتابتي للشعر لليوم، لم أعدم أناساً، صار بعضهم فيما بعد أصدقاء وبعضهم أعداء!، صدّقوا بي وحملوا شعري تحت آباطهم، وساعدوني علي نشره. ولكنهم ما كانوا ليفعلوا شيئاً كهذا، بالتأكيد، لو أنهم لم يصدقوا شعري ذاته. لأنّه لم يكن في السابق أيّة صلة تربطني معهم، منهم محمد كامل الخطيب، الذي كان وراء الموافقة على طبع (داكن)، وعندما أثيرت المشكلة، أبدى استعداده أن يتحمل كامل المسؤولية في حال إصداره.
رفض طلب انتسابي لإتحاد الكتاب، بحجة كوني شيوعياً "
أما عن تلك الأسباب التي أحصيت: « الرقابة - غياب منابر النشر – القرب والبعد عن الاشتباك مع السلطة خارج الشعر.. الخ». فيوماً لم تشكل الرقابة لي هاجساً فعلياً، رغم أنه أحياناً راقني أن أتهمها بتحطيم برنامجي، الهش أصلاً، لنشر مجموعاتي الشعرية بترتيب معين!. أشير إلى ما ذكرته مراراً حتى ملَّ الناس من سماعه، وهو منع مجموعتي (داكن)، واضطراري بعدها لقطع علاقتي مع وزارة الثقافة كما أسلفت، ثم تمزيق قصيدة (ساقا الشهوة) حين نشرت بمجلة الناقد، العدد/43/ عام /1995/. في البداية كنت أشعر بأني أقوم بما يشبه الحرَد، ولكني مع الأيام، عرفت أن الأمر، في الواقع، يزيد تعقيداً عن منع كتاب وتمزيق قصيدة. لأنه لم يكن طبيعياً أن يرفض طلبي انتسابي لإتحاد الكتاب، بحجة كوني شيوعياً، مع أني، كما قلت، لم أكن يوماً منتسباً للحزب الشيوعي أو أي حزب سواه، بينما هناك في ذات البلد جهة رسمية تحتفي بكتابتي وتشجعني: « نرجو ألاّ يكون هناك فارق زمني بين (داكن) وما سيتبعه، كما بينه وبين ما سبقه» هكذا كتبوا لي عند موافقتهم عليه!. أعود وأقول لم يكن الرقيب الخارجي أو الداخلي يمارس علي أي ضغط. كتبت كل ما أتيح لي كتابته، وفيه ربما أشد القصائد العربية جنوناً. حتى إن رياض الريس هددني مرة بنشر واحدة منها. وبما أنه لم يفعل قمت بنشرها في أحد مواقع الانترنيت، معرضاً نفسي لخطر أن يقرأها أحد المكلفين من قبل الآلهة بملاحقة الهاربين من الحظيرة، فيحلل دمي لقاء قول أشياء خرقاء كهذه.
منابر الشعر في سوريا، تحت مؤخرات جيل الستينات، الجيل الأدبي المسلح! بسبب تماهيه الاستثنائي مع السلطة.." أنا وأمثالي أتينا من شقٍ كان يسمح به وجود أشخاص كزكريا تامر وخلدون شمعة وأنطون مقدسي في وزارة الثقافة!!... في بلد يستخدم الثقافة مثلها مثل أي شيء وسيلة لسوس ولسوق ولسوم الناس.."
ثم يأتي حسب ترتيبك السبب الثاني وهو غياب منابر النشر، الذي أجده يرتبط كثيراً بالسبب الأول، فخلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم، كانت منابر الشعر في سوريا، تحت مؤخرات جيل الستينات (الشعراء خاصة) ما أسميته مرات، الجيل الأدبي المسلح! بسبب تماهيه الاستثنائي مع السلطة، ثقافياً وسياسياً. وهؤلاء أنفسهم أداروا الحركة الأدبية السورية، الشعرية والمسرحية والروائية وما إلى ذلك، فكانوا مدراء المؤسسات الثقافية ورؤساء الفروع وأعضاء المكاتب التنفيذية ورؤساء تحرير المجلات والصحف بأنواعها، مما أدى لوقوع الأجيال الأدبية الجديدة الجديدة تحت سيطرتهم المطلقة، ينشرون لهم حسب مزاجهم وعلى كيفهم و.. لأسباب أخرى لا علاقة لها بالمستوى. هم أنفسهم، سادة منابر المراكز الثقافية وقاعات الجامعات وصالات المهرجانات، كانوا بلا أدنى منافسة سدنة منابر النشر. أنا وأمثالي أتينا من شقّ كان يسمح به وجود أشخاص كزكريا تامر وخلدون شمعة وأنطون مقدسي في وزارة الثقافة. غير أن أنطون مقدسي لم يكن كل الوزارة، (داكن) لم يمنعه المقدسي ولا محمد كامل الخطيب ولا علي الخش...، منعه شبح يخافه كل من يتحمل مسؤولية منصب في بلد يستخدم الثقافة مثلها مثل أي شيء وسيلة لسوس ولسوق الناس.. غاب نصي!! ومعه غاب اسمي لحدّ كبير، وغابت نصوص شعراء واعدين غابوا خلف غياب نصوصهم. حتى في الثمانينات، وبعد صدور (بشر... )، كان محمد عمران الذي كثيراً ما أبدى إعجابه بشعري، يرجئ نشر قصائدي لحين تقوم مجلة (المعرفة)، التي كان يرأس تحريرها، بإعداد ملف عن الشعراء الشباب أو شعراء السبعينات!. أما مجلة الموقف الأدبي، فأذكر أني نشرت فيها قصيدتين خلال ذلك الربع قرن من السنين، نلت عليهما تقريعاً شديداً من قبل ناقدين عبقريين كلفتهما المجلة بنقد قصائد العدد السابق، أحدهما قبض علي متلبساً بالجرم المشهود، وهو سرقة قصيدة لإيفتشنكو نشرت في مجلة الهلال المصرية منذ نصف قرن، فالرجل كان يحسبني من جيل يوسف الخال!. أما الثاني فلم يستطع أن يقيم علاقة بين عنوان القصيدة (أسمع قرع أجراسك) وإهدائها (إلى أرنست همنجويه)، وبين رواية (لمن تقرع الأجراس)، فراح يتساءل عم يمكن أن تدل عليه كلمة (نافار)؟ وهي، بأقل جهد عقلي، حيث يبدو واضحاً في القصيدة، مكان في اسبانيا!، كما تساءل عمن يمكن أن تكون تلك المرأة الملقبة (بيلار)؟ رغم أنها، من الواضح أيضاً، امرأة ذات معرفة وخبرة، يطلب المتحدث من المرأة التي يخاطبها التعلم منها. وفي الأصل، لا يتوقف فهم القصيدة، لا بالمجمل ولا بالتفصيل، على معرفة أين تقع (نافار) أو من هي (بيلار) هذه أو سواها.
ثم يأتي الثالث من الأسباب التي ذكرت في سؤالك، وهو « القرب والبعد عن الاشتباك مع السلطة خارج الشعر». البعد فقط هو الوصف الأدق لما أنا عليه في داخل الشعر وخارجه. ففي داخل الشعر أنا لم أكتب لليوم قصيدة سياسية، وفي خارجه لست قريباً من السلطة في أي مجال، وعلى أي صعيد. كما أني، بالمقابل، لست في اشتباك معها من أي نوع، لأن أي اشتباك بحد ذاته يتطلب القرب، أو ربما هناك اشتباك مع السلطة من بعيد كما حال البعض في الخارج، اشتباك دون تلامس، آمن. لكني أحيا هنا، لأني لا أحيا في أي مكان آخر، ولأنه يوماً لم أجد من الدواعي ولا من الحوافز ما يكفي لأذهب وأحيا في مكان آخر. ما أريده الآن هو دفع الكلام إلى أبعد من الجواب على هكذا تساؤل، أريد أن أتكلم عن أولئك الذين اختاروا البقاء حيث هم، حيث سقطت وما زالت تسقط رؤوسهم، بالمعنى المجازي للعبارة طبعاً، أريد أن أتكلم عن السوريين في ما يسمى سوريا، واللبنانيين في ما يسمى لبنان، والعراقيين في ما كان يسمى العراق، والعرب في ما يسمى تجاوزاً الوطن العربي، عن تلك الفئة من الناس، التي لا أدري ماذا أسمها، التي لديها أكثر من أية فئة أخرى، الفرصة والقدرة والأسباب، لأن تضرب في الأرض، شمالاً وغرباً وشرقاً وجنوباً، وتحط في مكانٍ ما، تتابع حياتها كيفما أمكنها، أو تبدأها من جديد تبعاً لظروف جديدة، لكنها لا تفعل؟. لا تفعل لماذا، ربما لأنه ينقصها الشجاعة، الاستعداد للمغامرة، أو ربما ليس لديها الرغبة، أو ربما لأنها تؤمن أن مصيرها هكذا، قدرها هكذا، ذلك الاستسلام اللاّ إرادي والإرادي في آن، للقدر. أو ربما ربما، إذا رغبت أن أفكر بإيجابية، لشعورها بأنه لن يكون لها معنى خارج محيطها هذا، مع ما له وما عليه، خارج دائرة معارفها وأصدقائها. وكأنها صحيحة، تلك العظة الفظة، (المعنى أولاً ثم المتعة). وصحيح أيضاً أن القرب، الاتصال المباشر، اللمس، الشمّ، الطعم، شروط ما زالت قائمة للتأثير والحصول على النتائج السريعة والمحسوسة. تلك الفئة التي، كما كتبت مؤخراً في مقالتي عن صديقي ميشيل كيلو، اختارت أن تبقى مع الذين لم يكن، وليس لديهم، أي خيار. اختارت خيار من لا خيار لديهم، أي أن تجدل مصيرها الخاص مع مصير الآخرين.
حسناً، دعني أدّعي أني منذ البداية تنبهت لأهمية أسئلة كهذه في كتابتي، في باكورتي (آمال شاقة) هناك قصيدة بعنوان (العِشقُ القائمُ على طرفٍ واحِد) كتبتها بتاريخ 13/12/1972 أي أنها من أولى قصائدي تقريباً، لذا هي واحدة من قصائد قسم (مرايا الإسفلت) الذي سددت به دين محمد الماغوط رغم أنك لن تجد فيها أي استخدام لأداة التشبيه (ك):
(لأنّي كائنٌ حيّ وأُفضِّلُ البَقاءَ هكذا لم أُشارِك في إبادةِ الأحياءِ الأُخرى ولم أُعلِن احتِجاجي على ذلك أيضاً . / أعيشُ على سطحِ اليابِسةِ بحُكمِ مَولِدي ولأنّي لا أعرِفُ الوطنَ الَّذي أحِنُّ إليهِ كثيراً لذا تراني في أغلبِ الأحيان أكتفي بالشَواطئ والكلمات . / وهكذا كلُّ ما لَديَّ من أُمور رضِيتُ لها بحُلولِ البينَ بين ما عدا حُرّيتي فما زالت مُعلَّقةً كالمشنوق والعِشقِ القائم على طرَفٍ واحِد ..)
أما في (بشر وتواريخ وأمكنة) فهناك قصيدة بعنوان (عيون شفافة وسخة) كتبتها في 15/3/1975 تقول:
(بالأسودِ فقط عينٌ طويلةٌ سائلة هنا في زاويةِ الإعلان حيثُ تَخفي الفتاةُ النحيلة بأصابِعِها العشرةِ النحيلة ابتسامتَها النحيلة . / بالأزرقِ أيضاً ترونَهُ واقِفاً بِجانِبِ الفُتحةِ الكبيرةِ لمُحرِّكِ الطائرةِ النفاثة وأمامَهُ عِشرونَ سبباًوجيهاً لأن يرمي ما لهُوما عليه ويُحلِّقُ إلى السُويد طائراً ولكن هذِهِ المرة بعينٍ قصيرةٍ جاحِظة . / بالرَصاصِوالفحم والدَمِ والأحجارِ والأظافِر عُيونٌ ضيِّقةٌ وحادّة ومُضيئةٌ وواسِعةٌ ومُغلقة وأُخرى لا يُمكِنُ توقُّعُها على جُذوعِ الأشجارِ البالية وعلى ظُهورِ المقاعِد وعلى الجُدرانِ والأبوابِ والنوافِذ وعلى الشراشِفِ والوسائد .
/ هنا وهناك في كلِّ مطرح وفوقَ كلِّ شيء عُيونٌ شفّافةٌ وسِخة ..)
" لو حقاً صدرت أعمالي بشكل طبيعي، لو جرى تسويقي، لو ترجمت إلى لغات كثيرة، لكنت شاعراً عالمياً، لماذا لا.."
ولكن الذي رمى كل ما له وما عليه وحلق إلى السويد طائراً كان أخي الأصغر، وليس أنا، لأني حقاً صاحب (العين القصيرة الجاحظة)، الذي آثر البقاء حيث هو، مع الذين يتلهون بالذباب، مع القانطين، كما عبرت يوماً برسالة لصديق منفي، منفي أين!؟ في لندن عاصمة الضباب، يا له من منفى. أما أختي مرام فهي مستوطنة في عاصمة النور، باريس، منذ 1980، وأخي ماهر (الجواب) فقد استقر منذ خمس عشرة سنة في الكويت، وصديقي مصطفى عنتابلي منافسي الأول على دور البطولة في قصائدي، والذي قلت له: «غيابك تدريب على الموت» فهو في الأمارات منذ /1990/، وأصدقاء كثيرون كثيرون، جميعهم فلّوا.
ثم أن «يعتبرني البعض أحد المهمين في القصيدة الجديدة في المشهد السوري والعربي إلى حد ما».. لماذا يا رجل إلى حد ما!، ولماذا يا رجل ليس في المشهد السوري والعربي و... العالمي!. نعم أصدق، لو حقاً صدرت أعمالي بشكل متسلسل طبيعي، لو جرى تسويقي، لو ترجمت إلى لغات كثيرة، لو لو .. لكنت شاعراً عالمياً، لماذا لا!؟. أ ليس لدي أنف يزيد عن حجم أنف ريلكه وبابلو نيرودا ومحمود درويش وبوب ديلان؟. ثم ماذا.. شاعر عالمي؟، أليس هو أحد أولئك الذين يقرفصون ويكتبون الشعر مثلنا؟. أو تظن أنه لا يمكن لنا أن نكتب شعراً كأشعار أولئك الشاحبي البشرة، فقط لأننا ما نحن عليه من بشرات ملطخة؟. ولكن ربما العكس هو الصحيح، ربما لأننا كعرب كشعوب، ولأننا كعرب كأفراد، نحاول الانفكاك من ذلك الطوق، الخروج من ذلك السياق، قد تكون الفرصة مواتية لنا أكثر من غيرنا لنكتب شعراً حقيقياً. أقول لك كنت الشاعر السوري الخامس ( نزار قباني- أدونيس- محمد الماغوط- سنية صالح)، في انطولوجيا الشعر العربي المعاصر التي صدرت في ألمانيا عام /2000/، وذلك باعتباري أهم صوت شعري في الربع الأخير من القرن العشرين! نعم صدق هكذا كتب فيها. وفي الدورة التاسعة لمهرجان (لوديف) الشعري، عوملت كشاعر لا يقل أهمية عن هنريك ميشونيك ولا عن هنري ديلوي ولا عن صلاح ستيتية ولا غيرهم، وأنا هنا لا أتكلم عن أخوية الشعراء، أتكلم عما قالته دينيس بوشر رئيسة اتحاد كتاب كوبيك في كندا، لصموئيل شمعون بعد أن سمعت قراءتي: (صديقك شاعر حقيقي). وفي الانطولوجيا الشعرية التي أعدها المهرجان بمناسبة مرور عشر سنوات على قيامه، كل سنة يقارب عدد الشعراء المشتركين المائة شاعر من لغات جميع دول البحر المتوسط، إضافة لدول الخليج والعراق وإيران!، تم انتقاء ثلاثة وستين شاعراً فحسب، كنت واحداً منهم، ولكن باسم: منسر نصري- سوريا- قصيدة: (الصدى الذي أخطأ). القصيدة التي اختيرت كواحدة من سبع قصائد في برنامج المهرجان. افهم هذا على النحو الذي تريد، افهمه تباهياً أخرق، افهمه عقدة نقص، فأنا منذ الثمانينات لم أعدم أناساً كانوا يقولون لي إنهم يقرؤونني على أني شاعر عالمي، وبعضهم في نوبات حبهم لي كانوا يرونني أستحق نوبل!. أقول كانوا، لأن كل ما نجحت به هو أني خيبت ظن الجميع، بقيت أصيع وأتلهى هنا وهناك وأرجئ كل شيء لغد لا يأتي. نعم، لو حقاً طبعت كل أعمالي في دور نشر هامة، ولو تُرجمت إلى الإنكليزية والفرنسية، لو سوقت في بلدي وفي الخارج، لو لو، لكنت لكنت...! ما كان ينقصني و ما زال، هو هذه العلائق (الشخصية) بعيداً عن نصي، لأنها في حالتي، أنا النائي ما أمكنني، الذي ليس رئيس قسم ثقافي في صحيفة، ولا صاحب دار نشر ، ولا صاحب موقع اليكتروني، أكاد أجزم... غائبة.
* من حقك التباهي كما تريد.. لكن أعتقد أنه يكفينا شاعر واحد في قائمة انتظار نوبل المزمنة! لكن رغم ورغم هذا التباهي هناك احتجاج مضمر على.. اللا شيء فلا أحد في سوريا سوّق بالشكل الذي يتمنى.. سوى بعض من سوقتهم حالة معينة.. كرواج « النضال» في فترة ما.. الأحزاب.. المؤسسات الرسمية.. لكنهم ذهبوا وسيذهب آخرون وتبقى الكتابة التي تقاوم الزمن في ذاتها؛ تقاوم الموت الذي لا يهدد النص.. ألا يبدو من خلال سردك أن التقصير - ان كان هناك تقصير- فهو ذاتيّاً وفحواه عدم الإخلاص للشعر كمشروع حياتي؟
" هناك شعراء سوريون سوّقوا جيداً، بالشكل الذي تمنوه وأغلبهم لم يكن يستحق أن يطبع له أكثر مجموعة واحدة على حساب دافعي الضرائب "
- هناك شعراء سوريون سوقوا جيداً، بالشكل الذي تمنوه وأكثر، داخل سوريا عموماً ثم خارجها في المهرجانات والوفود الثقافية. أغلبهم لم يكن يستحق أن يطبع له أكثر من مجموعة واحدة على حساب دافعي الضرائب السوريين. هذا من باب المزاح طبعاً. بالنسبة لي، كان ختام عرضي (صحيفة الرغائب) في كافالا في اليونان، هو: (كل ما أفعله كي لا يكون موتي نهايتي). في العقود الثلاثة الأخيرة كان الشعر المحور الأهم في مشروع حياتي، المعنى والسعادة. كنت أكتب كالمهووس يومياً، كان كل شيء أراه، أسمعه، ألمسه، أحوله لشعر. كان كل ما يحصل معي أضعه في فرن الشعر أذيبه وأصنع من خلطته قصائد. ولكن تصور خلال كل هذه السنين لم يصدر لي في سوريا سوى كتاب واحد: (بشر وتواريخ وأمكنة-1979). ثم بعده بثماني عشرة سنة صدر لي من بيروت (مزهرية على هيئة قبضة يد-1997). لكني بقيت على عنادي في كتابة الشعر. في الثمانينات كتبت قصائد طويلة طويلة كجثث أنهار ميتة. ساعدني طبع شخصي، تصديق أخرق للذات، ساعدتني ظروف، ساعدني أناس مدوا لي أيديهم وانتشلوني من الإمحاء والتهميش والنسيان. لكن سواي لم يكن هكذا، سواي لم يساعده الحظ ولا الآخرون. أعرف شعراء حقيقيين لم يوفقوا في إصدار مجموعة واحدة، فطووا كل شيء والتفتوا لتدبير حياتهم وصنع مصائرهم في مجالات أخرى.
* سأضمن لك مزيداً من الانتشار إذ تموت..فكما ترى ثقافتنا لا تحتفي بالأحياء ولا بالحياة كأنه في تمجيدها للموت تريدنا أمواتا كي تنتبه لنا.. في شعرك وفي السير التي تكتبها على حواشيه ألاحظ دائما احتفاءك بالحياة ( الأصدقاء الأحياء - الأقارب - الأماكن القائمة - هامش أو متن الحياة التي تعيشها) في حين يمكن اعتبار أحد أهم الأشياء التي يحتفي بها الشعر العربي هو الغائب (الزائل أو المحلوم به)..الخ. هل تكتب هذا بوعي؟ كيف استطعت أن تتخلص من شرك الغياب ففي شعرك حتى الحبيبة حاضرة، ليست هاجرة وليست مأمولة؟ هل العزلة - من حيث المكان لنقل- تعزز حضور الحياة في نصوصك؟
- عندما سأموت سوف أشكرك على هذا. سوف أرسل لك برقية من تلك المحمية في الجنة، التي سيخصصها الله للشعراء كافة، كي لا يختلطوا مرة أخرى بعباده الصالحين ويفسدوا عقولهم وأخلاقهم. وكما كتبت مرة: (سوف لن يمنعني شيء / بل سوف يساعدني كل شيء/ أن أتدبر على ذلك النحو الغامض/ بهجتي/ أن أكون في ذاكرتك ). خلف صديقي.. اسمح لي أن أضيف على هذا اللقاء صفة مرذولة ثالثة، زيادة على الكلام عن نفسي، والانفلاش في الأفكار، هي الاستشهاد ما استطعت بشعري، إن لم يكن لديك مانع؟. أما عن الاستشهاد (تصور أننا نستخدم ذات الكلمة للتعبير عن معنيين، أي أننا نجعل لهذين المعنيين، لفظاً واحداً، نجعل الشهادة، قول شيء رآه المرء أو سمعه، قول حقيقة ما، موتاً). فعندما نشرت مقالتي ( احتفاء بحق الموت العربي) السفير- 2002.. جاءني اتصال على رقم هاتف مدير مؤسستي، وهو ما يحصل دائماً عندما يتعلق الأمر بالأشياء الخطيرة، الأمن خاصة!. جاءني صوت جاف، أكثر جفافاً مما توقعت حتى لو كان أمناً: « أريد أن أسألك إن كنت أنت منذر مصري الذي كتب مقال...؟». نعم، أجبت!. رد الصوت على جوابي بتعريفي على نفسه: « أنا لؤي حسين»!. الاسم الذي جعلني أتأكد أن المتصل من أحد فروع الأمن!. « كيف نستطيع أن نلتقي؟» « أنا أعمل هنا في مؤسسة... في شارع... وتستطيع أن تزورني..». من وقتها أنا ولؤي حسين، الذي لم يكن عنصر أمن، بل بالعكس خريج ثماني سنوات سجن، أصدقاء. ومع أنه بمرور الأيام، عرفني لؤي على حقيقتي، وخفف من إعجابه الشديد بي وبأفكاري!. أمّا عن ثقافة الموت كاصطلاح، دونك الشهداء الانتحاريين ومجالس إدارة جمعياتهم، ومكاتب تسفيرهم إلى الجنة، حيث الحور والغلمان، فلا أظن العرب، يسهل عندهم الموت أكثر من سواهم، لا بل أن نسبة المنتحرين الحقيقيين عندنا، أظنها من أصغر النسب في العالم. في مدينتي اللاذقية، يقتل أحد ما زوجته الخائنة، ويرمي أطفاله من الشرفة، ثم يطلق الرصاص على رأسه. أو تكتشف جثة مهندس ما في مكتبه، منتحراً بظروف غامضة. أو ينهال خطيب متروك على صدر خطيبته السابقة بسكين المطبخ ثم يطعن بذات السكين نفسه في رقبته. يحدث هذا كل عشر سنوات، أو عشرين سنة، مرة!. ما أريد قوله هنا، ولو بصيغة عمومية، بأنه، نعم هناك جهد تصبه أنظمة وأحزاب وجماعات وجهات المعروف منها والمجهول، لدفعنا (نحن العرب) لنموت من أجلهم، وما رغبت أن أنبه له، هو أن ثقافة الموت، تنمو، إن لم أقل تنبت أصلاً، من تكريس ثقافة الماضي، ثقافة الموتى. يكتبون ويسمون جمعياتهم (إحياء التراث)؟ ولا يفكرون أن معنى هذا هو إحياء الموتى أنفسهم، وليس فقط أقوالهم وأشعارهم!. والغريب أن بعض الحداثوين يشاركون الماضويين أولئك في تقديس الماضي، تقديس النص، وتقديس القالب، وتقديس اللغة!. تصور.. لغتنا العربية تم تثبيتها منذ /1400/ سنة!. وأي اختلاف عن تلك اللغة، يعتبر انحرافاً وكفراً. الآن أنا وأنت نقوم باحتفال حقيقي بعظام وأسنان وأظافر هذه اللغة. أما اللحم فقد زال منذ أن نبش أبو العباس (السفاح).. قبور الخلفاء الأمويين جميعاً فوجدها عظاماً تالفة وخيوطاً.. وهنا علينا أن نلاحظ أن بعضنا يعيد إحياء الموتى وهم عظام، لقتلهم، أو لقتل من يظنه هم.. منذ سنتين رأيت في إحدى الأقنية التلفزيونية شيخ جامع يكيل اللعنات والدعوات على معاوية. وكأن معاوية يخطب على منبر الجامع المقابل
" ... دونك الشهداء الانتحاريين ومجالس إدارة نواديهم، ومكاتب تسفيرهم إلى الجنة، حيث الحور والغلمان