
سيرة اللون .. سيرة خليل
عبدالقادر
لم
يكن الفنان التشكيلي خليل عبدالقادر من حاملي الشعارات
الثقيلة ولا الاحلام الكبيرة ، ولا حتى المشاريع الضخمة ،
كل همه منذ ان بدأ بالرسم هو الرسم ، والرسم وحده ، هو
اكثر الفنانين الكرد صخبا، ولكنه أكثرهم على الاطلاق صمتا,
وتأملا ، الكثيرون ممن سبقوه او ممن جاؤوا من بعده
استندوا في لوحاتهم على غير اللون ليصلوا، الا ان خليل ظل
هو نفسه، في دمشق كما في الحسكة، وفي المانيا كما في دمشق
، هو لم يتغير، رغم تغير الدنيا وتعدد الطرق ، عيون نسائه
بقيت معلقة على مجهولها البعيد، والخواتم التي كانت النساء
تضعها في خناصرهن ، بقيت كما كانت ، وان امتزجن قليلا
بالتجريد الذي بدأ يدخل لوحة خليل خجولا هادئا.
الكتابة عن
خليل تحتم علي المرور على القليل مما عاشه( وشهدت على بعض
التفاصيل) ، في الحسكة او العزيزية او الصالحية على الارجح
، وبعض من سفراته للعمل هنا وهناك، فمن العبث الكتابة عن
أعمال خليل عبدالقادر، دونما المرور به كشخص ، فهو يكمل
لوحته ، وهي ( أي اللوحة ) خليل الذي لا يجيد كثيرا فنون
الحديث الثقيل ، واظهار المهارات والمصطلحات التي تضيع قبل
ان تصل.!
سافر الى
السعودية ، ككل الذين يذهبون الى السعودية، بلد النفط
والريالات والعمل المدر، عمل خليل في معرض للسيارات، ذات
يوم جاءه زبون ليشتري سيارة ، أخذه خليل ليريه الماركات
المعروضة، فكان كلما يشرح له عن واحدة يرد الزبون : " أي
هذي زينة " واخيرا استقر رأي الزبون على واحدة ، ملأ خليل
استمارة الشراء ثم طلب من الزبون ليوقع ، فتفاجأ بالزبون
وهو يضع نقطة، نعم نقطة صغيرة جدا في مكان التوقيع ، نظر
خليل اليها , ثم قال للزبون : يا أخي وقع ، شو تحطلي نقطة
.. كبّر شوي " فقال الزبون :" أكبّر ..؟ أي أبشر.." ثم
امسك بالقلم وراح يرسم دوائر متتابعة على كل الاستمارة ،
هنا فك خليل مفاتيح المعرض التي كانت معلقة بعروة بنطاله ،
ودخل غرفة المدير ، وقال له : هذه هي مفاتيح الكاراج ..
بخاطرك انا راجع على بلدي " ورجع خليل من لحظتها تاركا
الزبون و مدير معرض السيارات في دهشتهما التي لن تفكها حرب
الخليج الاولى والثانية والثالة وربما الرابعة ايضا.
ورجع ليرسم
من جديد، يظل شهورا وسنوات هنا وهناك ، في حلب او دمشق او
الحسكة ، في صحبة ابدية مع شقيق عمره الفنان عنايت عطار،
وتوأمهما الفنان والخطاط الراحل عبد ، كان الثلاثة يقضون
اياما طويلة في مرسم عبد ، والذي كان بدوره يتحول الى ورشة
لتخريج الفنانين ، والخطاطين والمغنين ، والممثلين
والشعراء والراقصين والراقصات كذلك ، كان بيجو دليلهم
الهوائي على تجهيز القهوة لطرد ما تبقى من سكرة الأمس ،
ورشيد صوفي العازف سيد أحلامهم ، وشريفو ( الأوسجن ) امين
عام أسرارهم ، والذي كان ينام في حاوية هناك ليحرس اشباح (
فنانات ) يغرم بهن وحيدو، ويصرف عليهن ما يكسبه من هذه
الدنيا، ثم فجأة يحضر لمعرض ، ويوزع الملصقات ويحدد تاريخ
الافتتاح ، ويصطاده القلق ، ويصطادنا معه ، يقترب موعد
الافتتاح وخليل لم يرسم بعد ، ليس هناك متسع من الوقت ،
عنايت عطار لا يدع الوقت يمر سدى ، يقول عن وقت الرسم هذا
وقت الفراغ ، وليس هناك فراغ ، هناك ثامر يجيء من الرقة
التي على الفرات ( كما يقول عنها عبداللطيف خطاب ) فيه من
غواية الخط والفن الكثير ، ويصل هو الآخر الى مرسم عبد ،
لينضم الى المجموعة ، ويستأجر شبه غرفة في دمر ، دمر
القريبة من كل كازينوهات ومطاعم دمشق ، يغني بلهجته
القريبه الى العراقية ويصدح بحزن شفيف ، حتى لقى حتفه على
طريق صباح بارد ، حيث كان على دراجة نارية ، ولم يكن معه
نار تحميه . تكسرت أرواح الجميع على ثامر ، وراح الكل يرسم
فجأة ، وشرعان ما نسوا ، وخليل الذي كان قد حدد يوم افتتاح
معرضه ، بدأ يرسم قبل الافتتاح بأيام قلائل ، لا بل بليال
قليلة .. وكان المعرض وكان الكل مدهوشا من اعمال خليل ،
ولوحاته وأيقوناته ومزاميره و نسائه المنحنيات دوما على
غبار غير مرئي.
ضاقت الارض
بالجميع ، وكانت تضيق كل يوم اكثر ، خليل يشرف على مشروع
فني او ترميمي في اللاذقية ، ويحصل مقابل عمله على مئات
الآلاف من الليرات السورية ، في وقت كانت مئات الآلاف
تساوي ملايين اليوم ، ينهي خليل المشروع وتنتهي النقود ،
ويعود ليدفع عنايت عطار اجرة وصوله من اللاذقية الى دمشق
لينام اياما طويلة عند عبد .. عبد العاشق الفنان الذي سكب
عمره وسنواته القليلة على ظلال سين ، وبقية الحروف لم تعد
تعني شيئا له في الدنيا .
وخليل عمّر
بيتا في الحسكة ولم يسكنه ، واشترى سيارات عديدة ولم
يقدها، واحب كثيرا ولم يلتق بحبيبة يوما ، كما في مجاز
الكلام ، و... ضاقت الدنيا كثيرا واحب خليل ، فرحنا نقرأ
له الشعر ليرسم ، وأكثر من رسم الاساور ، والضفائر، فكانت
مها منتهاه .
رحل عنايت
عطار زوربا المجموعة ، والطفل المعجزة ، والعاشق الخفي
لرمال لا يعرفها أحد فجأة ، رحل الى باريس ، ومن ثم ليستقر
في آنجيه ، وسافر خليل ومها بعد حب ، وشوق الى ألمانيا
وتفرق الجميع ، وظلت على الحيطان ظلال لا تعرف دمشق هي
لمن.
استوحشت
الدنيا على عبد ، فظل مع بيجو و وحيدو ، ليزورهم بين الحين
والآخر شريفو ويسأل عن خليل ، لم يعرف شريفو من الاسماء
الا اسم خليل ، ربما علق الاسم في ذهنه الناقصة ، بعد ان
تعلقت شعرات من ذقن خليل في ذاكرته المعطوبة .
عبد ، ظل
وحيدا ، ليمرض بمرض رئوي ، ومن ثم يخطأ الاطباء في عمليته
الجراحية ، وقتل على ايدي الجراحين ( هكذا نفترض نحن
أصدقاء عبد .. لقد مات نتيجة خطأ طبي جراحي ) قبل ان يموت
بأيام كنت في دمشق قادما من سويسرا ، مررت على غرفته في
مشفى بدمشق ، كان ممدا يتنفس بصعوبة ، وبالقرب من رأسه آلة
تسجيل تنبعث منها موسيقى نينوى ، أردت ان أقول لعبد : ما
هذه الموسيقى الحزينة ومددت يدي لأيقافها ، امسك بيدي وقال
لي : دعها عندئذ عرفت ان عبد سيرحل ، ويودع الدنيا ، خرجت
من الغرفة ولم أعد اليه ، ولم ألتق به ابدا بعدها.
كان الألم
كبيرا برحيل عبد ، وتفرق الكل ، عنايت في فرنسا خليل في
ألمانيا وأنا في سويسرا وقلة بقوا في الحسكة او رحلوا عن
هذه الدنيا غير نادمين على تفاهتها.
من يومها لم
يعد خليل الى سوريا ، لكنما عنايت عاد مرتين ، عاد ولكنه
لم يجرؤ ان يزور دمشق ، حاولت كثيرا ان استجره الى دمشق
لكنه كان يتحجج دوما بهذه المسألة او تلك ، وكنت أعرف ان
حجج عنايت كاذبة ، وحجته الوحيدة هي ان دمشق تخلو من عبد ،
وذلك كثير على عنايت ، لن يتحمل قلبه الموضوع ، ولعل خليل
يخاف ان يزور سوريا وهي تخلو من عبد مررت به كثيرا ، وهو
في ألمانيا ، لم يسألني يوما عن الناس في سوريا ، ولم يرسل
معي يوما رسالة او " جهاز موبايل " لأحد، كما يفعل غيره ،
من المهاجرين والانصار ، والمناضلين والمناضلات اللذين
واللواتي دوخوا الدنيا ، وأوقفوها على رنة موبايل ألماني ،
او شفرات حصادة جوندر ( مستعمل اوروبي ) لتحصد زرع
الفلاحين في جزيرة خليل .
نجلس قليلا
، نسأل عن أخبار بعض المناضلين والمناضلات ، ثم ينزوي خليل
في المطبخ ليعد لنا الأكل ، المرشوش ببهارات حادة تلهب
غيوم يومنا ومجرات رجولتنا .
نرى اللوحات
مكدسة ، والالوان في كل مكان ، وخليل يجلس يستند على طرف
الطاولة الصغيرة ، يشعل سييجارة من الأخرى ، ويستمع
لحديثنا انا ويونس الحكيم ، في المساء ينضم الينا ضيوف
طارئون ، او مناضلون يتحدثون عن الثورات والاصلاحات
الديمقراطية وعن المجتمعات المدنية، فينظر اليّ خليل ويقول
كلمة واحدة فقط وبصوت عال : و..الأوسجن! فيحضر لذهني على
الفور شريفو ، وعبث الكلمات الكبيرة ، ونتبرم جميعا بوجود
المناضلين بيننا ، حتى ينهضوا أخيرا ، فنستعيد عافيتنا
المنهوبة .
هذا ما
يقوله خليل وهو يرسم ، يقول كل هذا الكلام من خلال عيني
امرأة مجهولة متسمرة في اللوحة ، لوحات خليل لوحات موضوع ،
وتجريداته هي مواضيع معاشة وقديمة وشخصية جدا ، وان تقاطع
مع كليمت او مع موديلياني ، فتلك من عبثيات الحياة ،
الحياة التي اسمت هذا خليل وذاك موديلياني فقط ، ألوانه
حارة ، فيها من الشوق ما فيها ، وهي مركونة الى طرف سد
منيع من أنفة وحياة صادقة مع نفسها وان تبدل العالم كله .
خليل يرسم ،
ويرسل لي الكثير مما يرسم ، وأعده دائما بالكتابة ، ولكني
أتأخر دائما ، وطالما تأخرنا عن حبنا ، هذه المرة أخبرني
يونس الحكيم ، حكيم المهاجرين انه يعد ملفا عن خليل كتحية
اليه ، خليل الذي كدنا ان ننساه في زحمة الدنيا ، وهل ينسى
هذا الخليل .؟
اذا فلتكن
هذه تحيتي اليه
ولتكن بقية
القصيدة التي سيرسمها هو ذات يوم لنا جميعا..
صديقي خليل
:
ان مررت
يوما بجبل هناك ، ورأيت فلاحا ألمانيا ، اسأله عن حطبه ،
لعله يقدمه لك ، فتشعله لليلة ، كالتي اشعلنا كل حطب
البدو في نوروز قديم ، حيث كان جبل كوكا او كوكب ، يذرف
ألما لم يره أحد غيرك
كلنا هنا
وكلنا هناك
..
سننتظر
كثيرا ونحن نعول على الشوق .. الشوق الذي ستلونه حتى
تتكسر أصابع الجنيات الراكضات خلف ظلك
واستند الى
كتف مها هناك
كي تجلب لك
الراين والخابور معا
تحية اليك
طه خليل

www.tirej.net