
هكذا
تبعثروا كأحجار النرد
"الى الله ،
ربّ خليل عبدالقادر "
حالما
ينتعش الحزن ، ينتعش خليل عبدالقادر ، الفنان ، الراكل ،
بلا تردد ، بلا أسى، بلا تخمين ، بقوة روتين الله ،
اللامبالي بشغف العشق السرمدي ، الأفين ، أو مايسمونه
بالكرمانجية القحة " حرزكرن " ، ويا لنا عندما نحب ونشرب
ونعبث ونركل ، كم نكون بليدين ، كسالى الى حد ثمالة الربّ
وهو في ملكوته والغياهب والمجاهيل .
خليل
عبدالقادر ، فنان عرفته في مدينة حلب ، أبان فترة مكوثي
الطوعي كطالب في جامعتها ، رغم أن كلينا – أنا وخليل
عبدالقادر - ننحدر من محافظة واحدة وهي الحسكة الله
يحسكها أكثر فأكثر الى ماشاء الله ، على أن كلينا ينحازان
الى ما لا يرتبونه هناك من أبجديات وكتب ومجاميع شعرية
ولوحات وصلوات .
في نهار
حلبي ، وفي منزل كردي سوبر ، منذ كنا طلبة في جامعة حلب
الغراء ، ذهبت مع أحد أصدقائي الى محلة "أدونيس " أحد
أحياء محافظة حلب الراقية ، لأرى صديقيّ الشاعر طه خليل
والفنان مصطفى كندش ، ولأتعرف من خلالهما الى التشكيلي
خليل عبدالقادر ، المتمرد على سكون الله بصخبه ، بضجيجه ،
بتهالكه على المطبخ الحلبي ، برميه للنرد على الطاولات دون
أدنى سؤال ، لأقول لنفسي " هكذا هم الفنانون ، عبثيون
وسكارى ، إذاً هم مثلنا ، لا يشبهون أحداً " .
بعد سنتين
،من اللقاء العابر ، هو بلحيته الطويلة ، وانا بفضولي في
السؤال عن فن هذا الفنان المتفرد ، أنشغلت على مجموعتي
الكردية الثانية " الصرخة المجبولة بالبشرى السوادء "
لأعثر على ناشر كردي مثل قصائدي ، ومن ثم تمويلاً باذخاً
من أجل طبع الكتاب ونشره على نفقته ، لأجد نفسي أضع مخطوطي
الشعري تحت إبطي وأذهب الى الحسكة الرنانة ، قائلاً في
نفسي : هل سيستقبلني الفنان خليل عبدالقادر ،ويرسم لوحة
وبورتريهات لغلاف وفحوى مجموعتي ، وهو له ماله من صيت
وفنون ،ذهبت وفي مخيلتي الشعرية أكثر من سؤال استفزازي
واستنفاري ، قرعتُ الباب مغامراُ ، وهو شخص لم أتعرف اليه
الا بضع دقائق ، وصخب لا يجاريه صخب بحضور صاخبين من طراز
طه خليل ومصطفى كندش، فتح خليل الباب ،وهو بين اليقظة
والنوم ، رغم أن الساعة تشير الى ما بعد منتصف الظهيرة في
أتون الحسكة الحارقة ، عرفته بنفسي مجدداً " فتح الله
حسيني " ليقول لي "أدخل ، أهلاً بك " .
رحبت بي
الشاعرة مها بكر ، زوجته ، شربت قهوة ،وبعد تأمل غير
مسترسل ، أتانا شريفو ، وتحايل عليه خليل عبدالقادر ،
وأهدر على مسامعنا نكاته ،مع الفنانين والفنانات السوريات
في المسارح والدراما ، ليقول لي خليل " هذا شريفو ألا
تعرفه" فأقول " لا " ، فأعرف فيما بعد ، ان شريفو مفردة
استثنائية من مفردات خليل .
خليل كبر
فجأة ، بعمره ، وهو العلو قامة فنياً بلحيته ، بحزنه ،
بأساه اللامنتهي ، بريشته ، بألوانه العصية على الفهم ،
بكلماته العصية على الفهم ، بحياته العصية على الفهم
الكردي والعربي معاً ، بشغبه البرئ في زمن محارب ، هو
الفنان الكبير أصلاً ، الفنان القادر على تدوين حزننا ،
أبديتنا ، رتوشاتنا ، لامبالاتنا أمام امتحان كدنا أن
ننساه ،ويظل هو خليل عبد القادر الفنان .
رسم لي خليل
لوحة غلاف مجموعتي ، ثم تنبه الى فحوى المجموعة ، فرسم –
طواعية - موتيفاتها أيضاً ، أفتخرت بمجموعتي فدفعتها الى
الطبع ، لأتي من دمشق الى الحسكة ، بعيد أشهر غير كثيرة ،
عن طريق القطار غير السريع ، وفي حقيبتي وضعت – سراً -
خمس مجموعات خص نص للفنان خليل عبدالقادر ، لا سيما وأن
المجموعة كانت قد صدرت بطبعة جميلة ، وجدت امرأة غريبة
تفتح باب بيت خليل في الصالحية ، بيت لا يشبه البيوت في
بناءه ، تصميمه ، ديكوره ،لما لا ، هو منزل خليل
عبدالقادر ، وتقول لي"خليل سافر الى ألمانيا "
................ألمانيا يا لأ لمانيا .
لم أتمكن من
توصيل المجموعة الى خليل وكل ما فعلته ، أني تمنيت ان يرى
خليل المجموعة ، لانها كانت تعبر عن مآسي أجيال تبعثروا ،
تبعثروا هكذا كأحجار النرد في المقاهي والحانات والأماكن
الباردة، دون ان يحس بهم أحد ، او تتحسس أنفاسهم حكومات
وأنظمة من أصدقاء وأعداء .
سلامي لخليل
عبدالقادر الفنان العظيم، وأنا أدون في ملفه ، سلامي لله
الذي يحرص على كبرياء خليل ، ويحرس خليل عبدالقادر في وطن
لا يفقه سكانه لغة كتاب الله ولكنهم يفقهون لغة ألوان
لوحات خليل الذي تنصل من آياته الربّ مشغولاً بآياته هو ،
مراراً وتكراراً ،هو نَفَس الفنان إذاً .
كردستان



www.tirej.net