صحيفة إلكترونية مستقلّة تُعنى بشؤون الثقافة والإبداع
مها بكر
عَرّافُ الكراكي
ديرام... ديلانا
إلى سليم بركات
عقل اللغة ونبض المكان. نكتب.. نقراً.. نهرول.. نحارب. نسدد صوب المعنى، ولانصل إلى مشارفك.
1
أتيه من وخز طنين هذا الياًس. أهتف من الرهبة الممسكة بحنانِ الوقتِ، وهي تمرر ليونةَ نرجسة غافله عن الحب وتلابيبه. كان الليلُ يشهق من ثوبي الليلي، من بهجته المُرَّة وأنت تطرزه، بالقبلة تلو القبله.. بالغيمة تلو المطر. الثوب قرمزي يا"ديرام"، كما تشتهيه بظلالٍ وارفةٍ، بنجومٍ وأعشابٍ ونياشينَ، دعهما عيناك الظليلتان، ترتميان عند شغف خلخالي ببريق يديك، وهما تقودان الكلام إلى المعنى.. وهما تسردان الهواء والقُبل.
خلِّها.. أنفاسك، كزهو بياض الياسمين، حينما يتأخَّر العشبُ عن مواعيد الحب.
2
أتذكرين ـ تحت مطر ـ، كم بللنا حبٌّ غزيرٌ؟، كان الشارع أعمى، يلمٌّ العتابَ، ثم ينساه العابرون عند همهمات همسنا. عبثاً كان الهواءُ يزخرف سرَّنا، وعبثاً كان يخبئه بين أدراج الليل الوعر. السماء بأراجيحها ذوات الضجيج الأرعن؛ النجوم بميلانها الفاقع عن جهامة البؤس؛ الشمعدانات مؤنسة تخوم الظلام، حينما قهقهات الليل على أرداف إناث الزهر، حناء لعروسيَ ـ عروسِ النهر تباركها الأقمار بتهاليل آخر عيد كان. الثوب أرجوانيٌ والبريق أخَّاذ.. ينسل من الخرز النافر عند أسفل النحر إلى آخر تخوم الخليقة.
الليل أبيضُ أبيضُ.. والثلج تيبس من شدة الوهج، وحيرتي حيرة محب تسأل السماء الثكلى. ماذا ترتدي حبيبة الثلج في ليلة عرسها، حتى تبدو أشد بياضاً منك.. ديلانة؟. الرونق وحشي مطعم بالورد، يندس بين رخاوة حكاياك، يرميها الوقتُ العاجز عن البقاء على ثنايا روحينا.
أصلكِ، فيستلقي الليل فارداً حيرته على وله عاشقيْن، يفران من الحب إلى الحب، ومن العناق إلى العناق.
3
إذ أضمك،َ يضمني العالم...
أتلوى من سيلان الشهوةَََ على نحول ياًسك مرحاً. نتهاوى على شغف البياض. نرمي هذا المدى العذب بريحان الألفة.
انظر، ديرام... الملائكة على غير عادتها بملاءات بنفسجية هذه المرة، ترمق بهجتنا. تتساءل كيف أهدابي تغزل الظل؟. كيف الزغب يهدىء من روع الطلٍِِ، والطلُ خجول على النقوش بين أروقة الحرير.
اصغِ.. النافذة تُدلي بآخر خوفها.. بمطلع هدهدات الليل، حين نضوج اللهاث على مخدات السهر، إذ أضمكَ، ينساب الدمعُ من رهافة الملمس على قسوتكَ، وهي تجعد فرحي النافر.
"ديرام كيف يخبئ الليل رسائله في جيوب المدى الفسيح؟". تقول الغزلان للبراري كاتمةَ الأسرار والخطوات، وكيف سأخبىء غبطة النرجس بكَ، وأمي تغزل الحزنَ والضجرَ؟.
4
كل امرأة يعانقها رجل، وأنا يعانقني حزن كبير، أتوسد الحب وضجرك الحالك، أرف وتؤنسني نجمتان ساهرتان تحرسان من فرط الغيرة تنهدات الحقول، حيث لغير الكروم ولعك ذابل وقاسٍ هو النحل على أبواب فيضك.
قمحٌ زلالٌ، وأرض تنهل من غيمات تهرول نحو الحب بجهالة.
ديرام..
أنا الأرض التي ضلت كثيراً وبقيتْ أرضاً ولك. أنا الزمرد.. الياقوت.. رمانة مضرجة بوهج دمعك واللون. ظمآنة من حيرتك أرنو إلى النساء في اللوحة، وهن يضرمن الحنينَ مبتهجاتٍ بشذى أثوابهن الرمانية اللون. ينظرن إليَّ، فتجف عيناي، ويكتظ قلبي بالبراعم والنجوم والألم.
5
كمثرى وخوخ.
حبق وحناء.
نبيذ من دمع الماء وسهو الورد.
نبيذٌ من ودٍ وندىً يشق غبطة السهول وشسع حيرتها.
ياالله.. أسَماءٌ من فضةٍ؟، أأرضٌ من لؤلؤ حيران؟، أمِنَ اللون يبزغ كل هذا الالم؟، أمن اللون تنبت كل هذه الثمار؟. يتحصن النسيانُ بالهواء، والهواء يؤرقني، يسألني سراً:
ـ ديرام مَنْ عرج على الريح وسكب لها الذكريات؟. من قرع القلب وأقلقه ثم ذهب؟.
كمثرى وخوخ.
حبق وحناء..
هواء وخواتم أتكىء على انشداه الليل بك، واللوحة ذات العينين الجاحظتين، ذات الزهو الكثيف، ترمقني بغبار سنابلها، بعطرقرنفلة نثرت ألمَها الداكنَ، تُعَبِد به دروب الينابيع والشجن. تعبد به الدروب إليك. اللوحة طبيعة صامتة وتجفلني، إنها تصوغ لليأس أساورَ من أمل، وتحوك للمساء حلماً حلماً.. ياديرام.
6
حب وأروقة بزغب هائمٍ. نساءٌ.. خاتم لابارد لادافئ، تعبث به أصابعك. ضللني اللونُ كلما اهتديت إليه. سماءٌ بغيوم بطيئة الخطى، أزرق يتنزه برفقة أيلول النحيل. أصفر يغزل الغواية تلو الغواية، حتى يستلقي العشب على الارض مثل التعب. يتخيلك ديلانه أميرة تكتمين البكاء، تعلقين الأحجية على أجنحة الهواء. تنامين، ولاينام الليلكُ ولاتنام الدروب.
خوختان بلون المشمش. جمرتان.. أم تمرتان هاربتان من نخلاتٍ في جنان الله؟. وجدٌ.. أم هجرانٌ يشن على الوله مزيداً من تعب؟. شالكِ على المرآة قبالة الجهة الحالمة بالله، معلقٌ فوق روحي مثل كتابٍ مقدس. أقرؤوه دمعةً دمعةً. أتلمسه وردةً وردةً. كتانٌ بملمس حرير، خيوط قصبٍ أضوأ من شمس، نقوشه رسمَ أقوام ٍ جمةٍ:
إذا تخثر المطر في الغيم، فماذا يدعى فصل الشتاء حينها؟، تسأل الحديقة جارتها الحديقه. يقول الصنوبر ذو الوله الأنيق، سائلاً بياض الياسمين مرتلاً: أنا الصنوبر ذو الخضرةِ العائمة على بيان الأبدية، ذي السكون المعتدل والمهيمن في جرح ٍعلى سترة الفصول. أنا من يقرأ دمع الربيع للأزاهير الكسالى، وهي تترنَّح من بلاغة النحل، حين الرحيق يقودها إلى سفرٍ محتم، وأختام ِ غياب.
أنا الصنوبر، لن يخذلني مطر، ولن يكتم خضرتي شتاء.
ديرام.. الليل يردد صدى هسيس ريح صيفية حنون، وأنا أدوِّن لك تراتيل الشجر للفصول.
10
كم خلخالاً سيمزق رنينه عند كعبي قدميك المهيأتين لي، لاعشبَ سيبوح بنداكِ؟،
ديلانا.. ستبقين أنين الأزرق على اللوحة، وسأبقى قمراً يرعى نجومك.
11
بردٌ.. جمرٌ، خرزٌ أم تيه، هذا الذي تذرفه يداكَ على سطوعي؟، ترابٌ أم وهج حب ٍضَروس يهذي تحت وطأة لوعتي؟، وماهذا الثمر مكتنزاً، سهوي وذهولي؟.
ديرام.. بيارقي باقات هواء، ونياشيني نار. عبأتُ جراري بنازلات الدهر، وكسرتُ سيوف الحزن على عتبات الحب. هائمةٌ وارثو لك الوجد بزهو غبارٍ يائسٍ. أنتفضُ كما ينتفض خنجر من غمده إلى أوج هيجانك حين الدم حرفة العسكر، حينما عيناك شباك ليلي الفسيح. هائمة وأحوك من الوهم قبعاتٍ وثيرةً للفصول.
أردم شجنك بنثرٍ ناعم ٍ،
أرتمي ويداك تعرشان على شغفي،
تضحكان، ونضحك مثل أول طلعة العنب.
12
ديرام وديلانا عاشقان، تنام الريح بين كفيهما. تخبئهما ظلالُ الله، وتحرسهما عينا ملاكٍ وقمر. يدثرهما ميديون على غفلةٍ منهم، على غفلةٍ من حزنٍ وخجل. يميلان، وعندما يميلان ترتعش السماء ثم تركُل الهواء بغيم ٍ كسير.
يرتمي السنديان الصبور قبالة السياج المعذب، تاركاً الحديقة موغلةً في الندم، والليلك يثرثر هامساً: "وهل يفهم الحور إلا الحور؟".
ديلانا.. رأيتُ الليل يستنشق عطرنا ويزفر هواءً ذا أرَق ٍ جامحٍ.
ديرام.. سمعتُ شجرة التين ترفع أغصانها للسماء وتبكي ياليتني كنت نجمةً، تحوم عند تخوم الحب ولاتعود.
ديرام.. رأيتُ فرس الليل تتجول بين الكروم، تحصي قطعان النرجس، تحصي الفيض والغلال. متِّع ناظريكَ إنها ظباؤك ترعى في برارٍ آمنة، شردت من هوىً إلى هوى، ألا تسمع رنين الحب، يسور هيبتك بالعشب والزهر، وبأناشيدَ تستدرجني إلى حبٍ مر وقتلٍ أكيد.
متع ناظريك
النبات من حيرته يكتم الندى والندى لايبوح. القمرُ ساهرٌ لاينزل ولا يغيب، والنجوم تنثر أزيزَ شهواتها على أنين الجهات، على نقاوة ألمنا المائل على الألم. والأشجار..؟، الأشجار ترمينا بالرطوبة والثمر، ثم نغفو ويدانا تطوقان الغلال.