أصفرٌ كأنه في البهاءِ أنتِ وفي الندمِ أنا

نصوص تشكيلية عن أعمال الفنان بشار العيسى

مها بكر

 

أرضٌ مشرعةٌ على الأسئلة، هي السحرُ ونداء الشفق المالحِ للصباح النديِّ قبل أن يتحول إلى فجرٍ ثم إلى ضوء، ورئتي المكان الذي يمدُّنا بالشعرِ النقيِّ ، والحلم النقيِّ والدم النقيِّ. الواهبُ ذخائره للغةِ وموزعاً قلبه على الجهات، ليحرس الجرح أن لايكبر في الأنين أكثر، تتأملكَ في بيان السردِ بقلبٍ شفيفٍ وبهتافٍ يهشمُ مخالب حيرتكَ، يسكنها نسورٌ، صقورٌ، حجلٌ، حباحبٌ، ديكةٌ، عصافيرٌ، أيائل وقصبٌ يبدد وحشة الليلِ بالبكاء، لها سفوحٌ مكتسيةٌ بخيالات النباتات الحنونة وبألوان ظلال النهار وهي تنصرف إلى ظلال الليل، وريحٌ ترى فيها لوعة محبيكَ، وهواءٌ يعلمُ في رئتيكَ كما يعلِّمُ الشوقُ على وسادة عاشقينِ لمْ يلتقيا منذ أعوامٍ جمّة، وأشجارٌ في غاية البهاء والغواية ونسيمٌ عليلٌ لحبٍّ يهبُّ منها تهزم به نشيج قصيدةٍ لاتهجر صوتك، ورجفة جداول الماء وزهر الخرنوب يتفجّر من أعماق البراري ويباغت شحوب المغيب بألوانه ويجاور امتداد القمح الوحشي على جنبات التلال وهي تملأ النظر والقلب، تنادي القبرات الحزينة لتشاركها الرغبة في التحليق نحو المواويل والشمس، والكروم التي تفرد حلمهاعلى فراغ الجرحِ وعواء الجبلِ ونحيب اللغةِ وخضرة الأرواح والبراري وهي تدوّن الأزل بحبر العدم، فيها الشجر متيقظٌ يحفظُ ذاكرة النقوش من الغبار والتلف، يلقّن العماء دروس اللون ليبصر ظلامه ويعترف بنور الدمن يوطّدُ أواصر القربى بين السماء وغيومها وبين الجسدِ ونكهة مجازاته، يتأمل جراح الأنهار وهي تفيض وتروي عراء الروح، عراء الأرضِ وعراء القصائد ، تدلُّ الظلال إلى وكناتها وتغرسُ في نسيانها بذرة البقاء والغيبِ معاً، تُحدِّقُ بالعزلة التي تُحوطُ الأعشاب وهي تُغطّي جسد الحجارة بالندى وتلمّ عنها الخوف قبل أن ينضج، تتلافى دكنة الفراغ قبل أن يُخيّمَ على عينكَ الملأى بالحروفِ والخطوطِ والألوان وقد أتقنتَ رسم شروق الهباءِ بلون غروبها، رسمَ أشكالٍ غائرة في بياضها، حزينةٌ ولحزنها مذاق السواد النافرِ من العتمة والمتمازجِ بأخلاط النسيان وروائحَ ليلٍ يُعينُ إمرأة على سردِ ثمرها دون وجلٍ، تُسعدكَ وتطوقُكَ بأسماء العقيقِ وهو يتعقبُ ناظريكَ ويسقطُ عن يقينكَ الشكَّ برؤية اللامرئي في أناملكَ وإتمام رسمَ الوصفِ بأدقّه لتعبره التخوم بجسدٍ يتفتقُ لرهافة حدسه ولكثافة الوجعِ وهو يتصاعدُ مغتسلاً بطبائع المدى الحيران منذ الأزلْ، جسدٌ دأبَ أن يطوي النيران المتدفقة من جلدكَ بقطرة دم ويملأ ثقوب رئتيكَ بالهواء قبل أن تتآكل وتُعودُكَ ألاّ ترعى إلاّ في خيالِ لهيبها وهي تشعلكَ حرفاً حرفاً وتُسمّيكَ لوناً لوناً وتشفعُ لكَ في الشعرِ كي تنمو بعيداً عن المخطوطات الجريحة وهي تغرزُ وجعها في حروفكَ وتُغرّرُ بكَ أكثر مما غرّروا بها تائهةٌ وهي تصبُّ في علومكَ قلقها وتُسرِفُ بقراءة الغيبِ بعينٍ يابسةٍ وبيدٍ تراوغُ كثيراً وهي تُفسّرُ بالإيحاء طراوة المعنى.

 

* * *

هنا ترعرعت خجي ونًمًتْ فيها صفات المكان كله حتى خُيِّلَ إلينا بأنها توأمه.

* * *

خجي عاشقةٌ تُخفي تحت ثوبها نصّاً حزيناً، غيوماً، بضعُ يماماتٍ ونرجساً يخافُ الطيران إلى خارج القصائد، في مرآتها تُقيمُ شمسٌ تعبثُ بخديعة النصِّ لها وبشكّه في يديها وهي توقظُ المدى وتلهو بشهوة الليلِ لمواويلها و تُجرِّبُ صلابة الروحِ بوهن الجسد.

هي جرحٌ أغوت الجبل بنشيدها فنزل من أجلها من حلمه إلى الوادي وضاع. يداها، يدٌ، تأخذكَ إلى النسيان ويدٌ تَدلُّكَ إلى السُكّرِ الأبديِّ بين الخوختين، تُشاركُكَ اجتياز القصيدة وتقولُ كل ما فيها من ولهٍ ودمٍ وحبٍّ هو لكَ.

أعالي القصائد تُشبهها

ويُشبهها أعالي النرجسِ

 وأعالي المجهول

اسمعها إنها تناديكَ،

وتقولُ لكَ:

أنا المكانُ سيامندو

فلماذا لاتُصدقني!؟

أنا الزمانُ:

فلماذا يُقلقكَ النظر إلى اللانهايات

قُبلتان

ووردتان

وشميمُ دمْ

وتُوصلنا القصيدةُ إلى" سيبانى خلاتى "

* * *

كنتُ وحيداً في البياضِ أسترقُ السمع لسواده وهو يجهشُ بين حروفي، ثم سمعتُ صوتاً في مسرى دمي يُرعشني ويوحي إليَّ بأنّ ثمة من يمكثُ في مكانٍ ما، عليّ أن أبحث عنه، وثمة ظلٍّ يتغنى به الليلكُ، يشقُّ زفرات الهواء، سكينة الليل ويسألُ عني، نديٌّ يُذَكرُني بالميثاقِ مابين الغمام أن تمنح جفاف الأشكالِ بعضاً من خيالها، ومابين الرؤيا وهي تحوّل حُطام السردِ إلى نصالٍ تسكن إلتماع الجرحِ وهو يمضغ الدمَ والزهر معاً، يسكن ذروة القلب، ينبتُ لوناً في خلوة القصائد ويُمزّقُ الأغصان التي تُعيقُ رؤية العتمِ لبياضِ شخوصي.

ظلٌّ عليّ أن أُلبي نداءه وأتبعه كما يتبعني، ظلٌّ يُداعبني، يتوحدُ بي ويسترسلُ في سرد الألمِ المتكومِ على الهشيم الماكث في نسياني، يُخاطبني وعيناه لاتكفانِ عني، تنقران مابين قشرة الجرح وجوف اللون الشبيه بالماء الذي يُهرقُ على رهافة النباتات دون تأنٍ، يُخاطبني ويُعرّي خيالاتي صورةً صورة ومجازاً مجازاً، يصوغُ لنقصاني في الوجعِ أملاً ويُرشده ألاّ يمكث في الغموضِ أكثر، وألا يكتمل إلاّ في نضوجِ حنجرتي وهي تُطلقُ النصال مصقولةً بالأناشيد في مجرى الموتِ إلينا ويهمسُ :

إن لم تَلِد من خيال اللون فلن تعثر على من تُحِب

وإن لم تَلِد من خَيار الشكلِ لكَ فلن تستحقّ شخوصكَ الحياة بعدك.

ظلّلٌ يُكَلِّمُ صمتي، نصعدُ سويةً أدراج الغياب إلى أدراج اللون، يُفسَّرُ للسوادِ، الخراب الذي يُحدثه البياض بعد اختلاطِ كل شكلٍ بمضمونه، يحرسُ معي أشخاصاً تبحثُ عن ذاكرتها، يُجرِّب رسم الموتِ والحب، يمزجُ اللغة ببعضٍ من نسيانه وبالكثيرِ من دمنا موشّماً بالندم، ثم يغطينا ببهجة الألوان ويرمينا من أعلى الغيمِ إلى أعلى الصيف.

ظلٌّ يتبعنى ويرتقُ الضوء النائحِ مابين وجهي ووجه شخوصي، يؤنسني، ينامُ ويصحو معي، يموتُ ويعيشُ من أجلي، يوقظُ أصابعي من الظلمةِ كلما تأخرتُ عن أداء الشعرِ لكِ، عن أداء الصلاة لله بأنه قد أحسنَ الخلقَ يومَ أبدعكِ.

جاء يسيرُ على خطى حدسه، يقطعُ العراء، يقتحمُ سواد تأويله وبياضه الموصد، حنجرته ترددُ الأغاني بخفوتٍ، عيناه شاردتانِ في الفراغ، يدان متصلتانِ بالمدى وظلّه يصافحُ ظلاً مثله، غامضاً ومذعوراً، لكنه أليفٌ في السفر، يباغته كل حين، يناديه لاتذهب ببسالةٍ إلى قدركَ في العشقِ إلى هذا الحد، وقلبكَ فيه كمحاربٍ أعزل.

جاء يتملكه التحدي، لاجتياز المسافة والمحن، ثم البحثُ!! ، ثم امرأة تهبُّ من كل الجهات، تغرزُ في قلبه ارتعاشة الحبِ، هو جاء ليغسل الأرضَ لها بدمه وهي جاءت لتبقى في صوته وبحّة مزاميره، يقولُ لها:

 لقد رأيتُ حُلماً وجئت أبحثُ عنه هنا،

 رأيتُ الأرض تنسحبُ من تحت قدميّ،

 والسماء تدخلُ إلى القصيدة

وثمة امرأةٍ لاتتوقف عن الشعرِ

ودمها في هطوله إليّ

أكثرَ توجساً من وردةٍ

لاتفلتُ من الشوق،

و لاتنجو من الريح،

كان الغيمُ يخفقُ أكثر من قلبي،

لمّا في تلألُئها توارت الشمس

 

سيامندو، عاشقٌ تنحدرُ أصوله من ألم ٍ بليغ ٍ وأسئلةٍ متعبة، قطع كل المتاهات الجريحة ليلتقي بعبق إمرأةٍ تُضمدُ المسافة بالحنين، وتسندُ كل نجمةٍ، تسقطُ على اللغة بقناديلها، تُشعلُ صمته بقليلٍ من صوتها، ينظرُ أن تباغته وتناديه:

سيامندو، سيامندو أنا هي من تبحثُ عنها، أنت معي وكلانا ليس في الحلم.

خجي: قبل أن تلونّي، امزج خيالكَ بشهقة يدكَ وهي تكتشفني، إمزجه بدمي، كي يُخَلدكَ جسدي ويسدُّ باب الشهوة لكل من سيتبارى على قطف صورةٍ شعريةٍ واحدة من خيال الزمرد البهيج وحبات الكهرمان، يتدفقُ منها النثر ويتهدلُ على ندمِ شخوصكَ، على مرارةِ صهيلها وهي تنادي خيولكَ وتحيي فيها رونق اللونِ والحُلم.

بخيالِ لوني سأعبرُ بخيالكَ إلى المرحِ سيامندو وسأكلم العراء أن يبتعدَ عن أخضرٍ متدثرٍ بالشوقِ لكَ، سأكلمُ الماء أن يُغلف الأرض يوم ستمرُّ بها، بأعشابٍ من خلاصة التأويل اليانع ِ سأدلّكَ إليها قبل أن يَستدلَ عليها المجتهدون ويُحرّفون رونقه ويتركونه وحيداً في الحزن.

 

سيامند: عيناكِ خجتي، غيمتانِ معبئتان بالعسل

خجي : عيناكَ سيامندو بحيرتانِ مملوءتان بالسمك

سيامند: عيناكِ نهرانِ لايعرفان الخديعة، إنهمري وإسرفي في فيضكِ عليّ وخُذي من قلبي مسكناً لكِ، فهو الدرعُ الذي سيمنع عنكِ رماح إخوتكِ السبعة.

خجي : عيناكَ سيامندو نهران مُقدسان، عينٌ دجلةَ وعينٌ فرات، يدور حول تأويلهما إثنا عشر قصيدة وإثنا عشر أرضاً وسماء، يحرسهما عشرة بحارٍ، ذئابٌ، نسورٌ، حجلٌ ونوارس ويسقيهما هضبتانِ يغطيهما الشعرُ والثلوج، لاتذوبُ إلاّ لترويكَ.

سيامند: جسدكِ غابةٌ خجتي وأناالحيران، أجهلُ من أيِّ شجرٍ أحتطب، كأنها الشمسُ قد كست ضفيرتكِ بالبريق وبياضكِ بألوان الذهب.

 

مفزعٌ هو شعركِ الطويل

في انسيابِ عتمته على بياضكِ

وباقٍ هو في مخيلة من يمرّ به

بقاء قصائد لاتندثر

صافٍ كأنه مرآة المجرات

وتتمة الليلِ في النهار

 

 

ما أن تلمسه حتى يعمَّ جسدكَ الضياء، تغيبُ في تموجه كما تغيبُ الشمس المنيعة خلف غابات القصب، خضرة جسدكِ تشبه المروج التي تُزيّن بحيرة " وان " يسقيها الغمام من ماء الكتابة وصفاء اللازورد، أنتِ المرأة التي ينتظر قدومها الأرض، بمفردكِ تستطيعين أن تُغيّري حركة الأفلاك وتمنعين رحيل الطيور إلى الغيابْ وتبتكرين من العدمِ قدرة الأزرقِ على ولادة الأساطير، كأنكِ منشأ اللونِ والحرف.

 

أنتِ مأرب الشتاء خجتي

فتعدّدي في هطولكِ!!!

 

كي تتفتح خيالات الزهر، ويتخطى الخريف وحشته، والصفرةُ تقتحمُ خُضرة نصوصه وذكرياته.

أنتِ العاشقةُ التي يشبعُ غيمها سماءاً قاحلة، رقيقةٌ أنتِ كعشبةٍ تُقاومُ الفناء، وكريحٍ تسكن حجراً قديماً، تؤرخ ظلال الوافدين إليها وتصنعُ من أغانيها للغيابِ إناءً تسكبُ فيه شوقها ونسيانها.

 

ما أبهاكِ!!

عنقكِ مثل كأس ماءٍ واضح

على قطعة رخامٍ غامضة

مثل شمسٍ تتشتتُ روحها، وهي تتنقلُ مابين الخوختين والتفاحتين والجرحينِ واليمامتينِ، وعبقَ البنفسجتينِ الطليقتين، مابين آثار أقدامكِ وهبوب النسيم من " سيبانى خلاتى " نصبتُ قلبي وفوقه راياتكِ كي لاتختار سفنكِ بحرٌ سواي،قلتُ للشمس الذابلةِ: أنْ تقطفَ من جسدكِ لضياءها الأسماء وأنْ تتجدّد مابين الدمِ والزغبْ وتمكثُ في قصيدةٍ، تأخذكَ إلى أبدية الأشياء وتُحاكي المدى الذي شغلكِ طيلة الطيران عن أهواء الريش، وتترك للطريق رائحة الغرباء، يغتسل بها ويُرمم الصدى الذي يَدلُّ الحالمين إلى حقول الخيال، وتعبىءُ حقائب الغيابِ بالأسئلة وتمنح العائدين من يديكِ دون ندوبٍ ، الأوسمة.

خجتي جمالكِ مخيفٌ كالموت.

خجي : لاتُشبّهني بالموتِ سيامندو، ولماذا تُشبّهني به !!؟؟

سيامند: لأنني أخافُ اقترابه مني مثلما أخافُ بُعدكِ عني، كأنني أراه !!

خجي : كن معي سعيداً سيامندو واشرب من خيالي وأنا أكتبُ عنكَ، تجوّل في جسدي الفسيح واحصد من حقولي ، فكل ثمرٍ قد توهج لقدومكَ، وكل قمرٍ لعينيكَ قد اشتعل، أنتَ الكتابة وأنا لايطيبُ لي السرد إلاّ في النثر الذي يثقبُ خاصرتي ويسيل منها الشعر والضوء، الماء والدم، الوحوش والطيور.

سيامند: وجهكِ نورٌ يُصارع فيه الليل الظلام، كأنني معكِ في ليلٍ يطغى عليه الضياء وفي أرضٍ لامحطّ لليباسِ فيها وغاباتٍ مُفعمةٍ بالأعشاب السحريةِ، بمياهٍ عذبةٍ وعوسج بجوار ريحان، وجديلتاكِ الغزيرتان مثل ليلينِ يقصّانِ الشعر للدجى، مثل غزالتين طائشتينِ، حنونتين وكرمتي عنبْ وأنا الناطور أنالُ الحامض والحلوِ، شفتاكِ سُكريتان وقبلتكِ بطعم التوت البريِّ الحامض وحلاوة تمرٍ من نخلِ بابل، وفي التوت البريّ والتمرِ معاً شفاءاً للعاشقين خجتي.

أنتِ الراية الخيّرة وخلفكِ جميعنا نمضي كما تمضي الظلمة لحتفها في أنواركِ.

 

خجي : أنتَ شاعرٌ سيامندو

سيامند: وأنتِ الشعرُ خجتي

خجي : أنتَ رسّامٌ سيامندو

سيامند: وأنتِ كلَ شخوصي

خجي : لقد رميتني بقوس اللون

سيامند: وبه فُزتُ بما بغيت

لن تموتي قبلي خجتي

ولن أحيا بعدكَ سيامندو

قلبي دونكَ كتابٌ حالكُ الشعرِ سيامندو

وقلبي دونكِ لوحةٌ ضريرةٌ خجتي.

 

أصفرٌ كأنه في البهاءِ أنتِ وفي الندمِ أنا

* * *

أصفرٌ، وديعٌ، شفافٌ، لامثيل له

هواءٌ يثقبُ شحوب رئتي، ودمٌ يُغذي قلبي بالحنين، لهفة حمامتينِ غريبتين، تعثرانِ بين أجنحته على هديلِ نايٍ لاتكسره الريح ولايخذله خيال القصب، سعيدتين وهما تتقاسمان يديّ وتغرسان أصابعي في جناحيهما شهوة عاشقٍ للبكاء والكلام.

أصفرٌ متهورٌ في الحبِ لايتوقف عن الغناء طيلة السرد، يمتصُ حزنكَ إن رآكَ حزيناً، يواسيكَ، واعداً يديكَ بظلالٍ مُشبعةٍ بالحلمِ تواجه ظلمة الكتبِ معكَ.إنطوائيٌ في الليل، من الصعبِ عليكَ أن تغويه بقناديلكَ وشموعكَ وكلِ أصابعكَ، هو الغزالة التي يخافُ دمها الذئابُ والنسورُ وطيور الكناري، سرّيٌ يدفع بأسمائه إلى العشقِ حتى التهلكة، يبسطُ صفاته عليكَ حتى تستعيد إحساسك بملامحكَ، إن اختاركَ لايستبدلكَ بنهرٍ أو ببحرٍ، بأوسمةٍ أو بأحد، مثيرٌ في الشعرِ والنثرِ وفي نهايات الريحان، هادراً كل الفوحِ لوحشة الأسوارِ.

أصفرٌ يُحققُ أحلامكَ، يستجيبُ لغنائكَ وبكائكَ عليه، ناعم الملمس زكيُّ الرائحة، يستوعبكَ وأنتَ تطوي أصابعه مثلما يطوي الجرحُ نسيان دمنا، بذوله يُعبِّرُ عن الحُبِّ لكَ وبتألقهِ عن الندمِ عليكْ، يتوغل دفئه في زمهريركَ كما يتوغلُ الشوقُ في العظمِ. ارفقْ بظلاله وأنتَ تَدكُّ أوجاعكَ بين أسمائه وتختار له من الصفات الألم، واخرج من خباياه نقياً كي يتسعكَ الموت وأنتَ تَهبُ قبل النصِّ كل عاشقٍ وردة، وكل غريبٍ قصيدة تُضيءُ له الطريق إلى البلاد بالحنين.

 

 

أصفرٌ سليل النرجسِ

المشحونِ بالسواد

كأنه في البهاءِ أنتَ

وفي الندمِ أنا

امعنْ كيف يتدفقُ في اللوحةِ كما تتدفقُ الأناشيدُ من حنجرة بحيرة "وان" وكما ينهمرُ الأملُ من أوتارِ قيثارةٍ مسكونةٍ بالوجع، تعطي كل أغانيها لتبدو أقلَّ حُزناً وبرداً من أرضٍ مفتونةٍ بالثلج، جديرٌ أن تكتب له القصائد وأن تشحذ خيالاتكَ بكبريائه كي يشحبَ لون الموتِ وهو يُعلمُ أصابعنا الإنتظار، يتكلمُ وكأنه الرسول الذي شُغِفَ بصفاء مراياكَ وهي تُكثرُ من زراعة الأحلام وتُفزعُ بالأملِ طمأنينة الطغاة، لاتُساومه حتى لاينتابه الشكُّ بأصابعكَ، هيىء له كلما تستطيع من التراتيل والترانيمِ والأناشيد والمواويلِ والأغاني، ثمة حُزنٍ يُكبِّلُ جهاته، وثمة لغةٍ فيه لاتنهضُ من الدم.

أصفرٌ،

ريحٌ تُرممُ قلبي،

ارتباك يديّ وهما تقُصّانِ صفاتكَ

لقمرٍ خائفٍ لايعرفُ غواية النشيدِ في الليل

ويرحلُ خشية بوحكِ أن يتصاعد،

فيلهيه عن الشعرِ والسفرْ،  

يكاتِبُكِ وقلما يؤوبُ من الكتبِ دون نسيانٍ

يُباغت بهاء الذاكرة.

معه تقطع النصوص وتصرخُ بوجه السكون

تتقدمُ إليه بمفردكَ مثل كتيبةٍ لاتبالي بجنون الدمِ

وهبوب الرصاص،

أصفرٌ

تشتعلُ له كلما دلَّتكَ رؤياكَ إلى قناديله،

تتّقدُ في وهم السطورِ وثبات المعنى،

واقفٌ لذبولكَ بالمرصاد،

تعرف من ترنّح وجهكَ في مرايا ألوانه

بأنّ أناملكَ لاتقوى على الوهمِ

وأن أطيافكَ قد نالَ منها العذابْ.

أصفرٌ آريُّ الوجعِ كثير الترحال، لايلتفتُ لأوجاعكَ وأنتَ تقطع المسافة  ما بين حلمه وشهواتكَ، يقطنُ حيثُ تعجُّ الأمكنة بصخب الزيزفون وبياض الأحلام، أصفرٌ كالشرر الذي يتطايرُ من رؤيا زهر شقائق النعمان وهي في أول الفوحِ وهو في أول الشعر.

أصفرٌ كلما تبحّرتَ في خصاله ازددتَ جهلاً وحلماً، هو لون النارِ لمّا تصِفْ لها يديكْ، كثير الترحال، أليمٌ في الحُبِّ وأحبه. عطشانٌ، له رعشةٌ وأجنحة يحلم بطيفكِ اللطيفِ ، يسانده يستطيع المرء أن يجني من أعاليه رونق الضوء وهو يغرق صامتاً في جمالكِ.

أصفرٌغير زائلٍ، عليكَ أن تمضي إليه وأنتَ بكامل بوحكَ، تبعثُ كلماته في كلماتكَ المقفرة، الروح، ثمة بابٍ بين ثناياه لم يُقرع بعد وثمة طريقٍ إليه يُحركُ في أوصالكَ طعم الوصولِ إلى الشوق.

لقد أنهيتَ كل ذخائركَ ولم تأتِ البراري إليكْ، ولقد خاطبت حواسهم أكثر مما ينبغي ولم يُصدِّقوا رؤياكَ، أصفرٌ هل جاؤوا بكَ من مجازٍ متوجٍ بالغياب والندم والنسيان.

 

1

 

لامرأةٍ كهذه

تقول: فيها اللوحة لكَ،

هي ذي!!!

التي استحقُّ أن أنطفئ في إشتعالها لي،

في بياضها يقول الليل: هنا تكمن بلاغتي

وفي سوادها يقول النهار:

 هنا سأنهي كل أسئلتي

لأبتدأ من النهاية،

الأبيضُ: هو أنتِ

أهتفُ له كلما شردتني يداي

هو أنتِ تعيدين لي قلبي كلما فقدته

والأسود: وردةٌ تطلُّ من مرآتكِ على مرآتي

تُذكرني بعبقِ قصيدةٍ لاتتكرر

بعمرٍ لن يعود،

وبامرأةٍ لاتُحبُّ من الفصولِ إلاّالخريف

ومن الألوان إلاّ الأسود

فكأنه بياضكِ وليس غيره

من يعيدني من سواد الهشيم

وكأنه سوادكِ وليس غيره

منْ عوّد الأرض أن تستوحش دون قصائدكِ

الأبيضُ والأسود

كلاهما أنتِ

وأنتِ!!!

غناء الأحمر،

فوح الأورانج، نجوى الليلك،

سرّية الأزرق البحري،

وحشية الأخضر ،

صفاء الرماد، حزن الوردي،

أفياء قوس قزح، ورفيف أصفر الكهرمان

وهو يصغي لضجيج " التريكواز"  

صخب اللوحةِ،

صهيل الفجرِ

وهو يرى بياضي يغتسل بسوادكِ،

كلها الألوان!!!

كلها هي أنتِ

 

 

2

 

لاتغفل عن النص

حتى يصيبكَ المسُّ

ويصيبه الهوى

ولاتصدّ عنه روحكَ

حتى لاتحترق سطوركَ

بمراتب هبوب رؤياه

وشوق بدايته إلى النهاية

ولوعة من لاأهلَ ولاحبيب له

ولاتنطق حتى تصمت زينتكَ

ويشبعَ من علمكَ ولونكَ

وقلمكَ وعقلكَ الظلام

تطويه، ثم ضارعاً

يتعلم منكَ الخشوعَ في الحرفِ

والنجاة من عتمة الظلمِ

يسمعُ حيرتكَ،

ينصركَ بقلبه

والله لكلماتكَ" سميعٌ عليم"

 

3

اغرسني في الحرفِ

قنديلاً يُضيء عتمة النص

واتركني أتنقلُ

بين النثر والشعرِ

معنىً تعرفه عناوينكَ

يرافقكَ غيمةً

تُبللُ جفاف رؤياكَ

وتُفسّرُ لكَ مابين صوت الطعنة

وصمت الكلام

4

 لايدومُ كلاماً

مَجّده عالمٌ ظالمٌ

واعتقد به ليلا لايؤمن بالنهار

ولايدوم حُبّاً

ابتدأ بخطيئة الحدسِ أولاً

وانتهى بالتمييز

بين الجسدِ والحرفِ والقلب

5

سأقرأ:

حتى أفنى

وحتى أعودُ من الفناءِ

أتسلحُ برؤياكَ

أتزودُ بأطيافكَ

كي أستحقَّ شرف

الكتابة عن شخوصكَ

سأقرأ وأقرأ

حتى تهديني الكتب

إلى طرق السفرِ إليكَ

إلى يديكَ

إلى النصّ الحنون

6

تجنّبْ مخاطر الرؤية

وأنتَ تُبهرُ الناسَ

بعظمة الأملِ

ومكانة الحرف

ولاتؤمنْ بعبارةٍ!!!

تتأرجح بين الحقِّ والباطلِ

الحقُ حقٌ

والجهلُ ظلام

ولاتُرافقْ امرأةً تتغير بالسفر

ولاتُصدقْ نصّاً لايتجدد في الحُب

يدٌ مؤثرةٌ

وعينٌ تردُّ عنكَ اليأس

خيرٌ من قلبٍ كاذبٍ

وحرفٍ يخون

7

 

لاتتبع عباراتي

حتى يتبين لكَ

الحرف الأبيض من الحرف الأسود

وحتى تجدني في النص

أفعلُ ما أقول

أبسّطُ تآويلي لكَ

وأنا أدسُّ الخير بخوفٍ بين كلماتي

ثم أكثر من الأسئلة عليّ

واتقِ الله في الحرف

وأنتَ تراني أُلقنُ الكتبَ

الأبجدية

والشعر

والدم

والموعظة الحسنة.

8

لن تستوعب حرفي

حتى ينالكَ عِشقي

9

كأنه إذا سقطَ

حرفٌ صحيحٌ من كلماتكَ

سقطَ معه نوركَ

فلاتحتج على ظلام الحرف

مادمت لم تفهم نور العبارة

10

لاتلتفتْ إلى نار الرؤية

وأنتَ تُرَوضُ الحرف

امض ولاتخف نفقَ اللغة

كلما اعترضكَ، خيالكَ والدم

واصلْ تيهكَ بأملٍ

وافصح عن جهلكَ وعلومكَ

لنراكَ ونحن نتبعكَ

وارسم بصدقٍ

حتى ينبعثَ من اللونِ رائحة دمكَ

وإيّاكَ أن تصطحب أحداً غير اسمكَ

وأنتَ تتأمل وجهكَ في مرآة الحرفِ

لن يسرُّكَ شيئاً مثل نوره وهو يُبكيكَ

ابحثْ عنه

" وقُل ربي زدني علماً"

لأعرفكَ

 

بورتريت

كأنكَ الملاكُ

الذي بُعِثَ ليشرب من كفيّه الغرقى الأثير، يجتازون هلعهم من الماء، رافعين جراحهم عالياً، كي يتضح لهم الحلم في السرد، أبهى من الشعر وأصدق من النثر.

كأنه الملاك: الذي يردّنا بهذا الأصفر الاليم، من شقائنا وغلِّنا وكأنه مسكن روحكَ ونجواكَ، تُمعنُ فيه حتى غيبوبة الوجع،لاتفيقُ منه إلاّ وأنتَ مسحور  به يتفجر من جسدكَ الهواء والينابيع وزهرٌ ذاعَ فوحه، أكثر مما حذّروا، وأكثر مما تحتمل خيالاتكَ وينبعثُ من أغانيكَ نارٌ تُثلجُ أوصالكَ، ذاهبة فيكَ كما يذهب العشقُ في خرابِ روحٍ يسقيها ويسقيها، حتى يدًبّّ فيها عشب الوله، نارٌ يروقُ لها الماء مثلما يروق لها الريح، ضاويةً أبداً ولاتتعب من الاشتعال كجمرة الحُبّ، لاتُطفأ إلاّ بيدٍ تسعُ الشوق وتملأ الكتب بالقناديل، نفى الرواة أن عرفوا أناملاً تخترعُ لوناً وحُبّاً وجسداً كهذا.

كأنكَ أحضرتَ يقين كل هذا الدم من دمنا، لتُدربَ لغتنا على تحمُّل الجرحِ وقسوة النسيان،

وها..!! قد نسيتَ حلمكَ طريّاً في حلمنا، يُمهّدُ للشعر أن يوزع الانتظار على الأموات بجسارةٍ أكثر، مُتخذاً من يديكَ مُستقرّاً لمشيئة الريح وهي تترهل في صمتهم، تُشيرُ إلى منبع الألم، تنادي اللونَ الذي أتاح بجناحيه أن يرفع يديكَ حتى تراكَ الأرض وحتى تُصدقَ ألوانها ألوانكَ.

كأنكَ الخيلُ الذي شقّ ببسالة صهيله عباب العدم وأنجبَ الماء من رحم أرضٍ يباب،تنظرُ بعينٍ ترعف على نهايات الظلال وبقلبٍ دامعٍ تُسند عزيمة الجهات وتفقأ عين الندم وهي تسوقُ ملامح مراياكَ من عبثِ الدم إلى هاوية الخيال، والشخوص معذبةٌ تشطحُ بتفسير مُلغزكَ، تكادُ تيأس في بحثها عنكَ، دون الوصول إلى مخرجٍ من نهايات الأصفرِ إلى بداياتكَ.

 

كأنكَ الكتاب الذي

كنا نبغي آماله لنهزم عجزنا،

وكأنها ألوانكَ هي المناراتُ

التي تستحق أن ننذر من أجلها

كل أصابعكَ وكل دمنا.

 

 

* * *

حنونةٌ دائمة القلقِ

مذعورةٌ في الكتب التي لاتتسعُ لأحلامي

كثيرة الخجل، سريعة العطبِ والنسيان

أخافُ من الوحدةِ وأجهل الجسد

ما ان تقطفني، حتى أذبل في رؤياكَ ويديك

مُشعّّةٌ في الليل الذي تكتب فيه النثر عني

ومُعتمةٌ في البياض الذي يجهل حُمرتي

وعذاب ذاكرتي

مُلتهبةٌ في الشوقِ،

موحشة أنا دونكَ

وشاحبةٌ في القصائد التي تخلو منكَ

رعويةٌ أعطتني البراري طبيعة الريح، لاتتهاون في الحب ولاتنكسر في الهجرِ، لاأثقُ بالفصول إلاّبالربيع وبالأزهارِ إلاّ بإكليل الجبل، لذلك أهاجر مع شقيقاتي في الصيف اإلى الحدائق ثم أعود مع عودة السنونوإلى البيادر.

يانعة ما بين الأبيضِ والأسود

مُنتعشةٌ في تأجج الذكرى

وبين لهفة ظلالكَ وهي تجدُ ظلالي

صبورةٌ وأنا أفتتُ الألم

الذي تعدّه لي

قبل كل لوحةٍ يتفاجا بحزنها

الليلُ وزهر الليلكِ والصباح

أنا من كسا البراري بفتنة الشعرِ

ورطوبة الهواء

يعرفني الليلُ والنهار

هو أيضاً يحلم كل حبٍ بي

والشعراء يمتدحون دمي لتترفع نصوصهم بصفاتي

ليس لفوحي أريجٌ

يحميني من الريح

وأنا أمضي في القصائد التي تسافر إليك

لكنها بتلاتي تزهو في الجرحِ،

كما تزهو في الحب

تتناسى هبوب الغيابِ

وتتألم مثل أصابع عاشقةٍ

تُبدّد الفقد بالأملِ والذكرى

ما أجملني !!!

لحمرتي لون جموح الجبال وهي تقاتل النسيان بالنسيان، تنبع من جراحها الرايات الكسيرة ويفور من أنينها رائحة الفجرِ وطعم سردٍ كهلٍ، وحيداً يعيش في الخلاء.

أسكن البراري وأحب من الطيورِ النوارس والنسور المكللة بذاكرة النرجس وباسئلة القمم العطشى وألوان المواويل.

 

شقائق النعمان لامرأةٍ تغويكَ

وتقولُ لكَ في مهب الجسد

لاتقترب ولاتبتعد

واكتف بالكاحلينِ

يوصلانكَ إلى البيلسان

يُكرّرُ شذى الرندِ والزنبق

 

* * *

شقائق النعمان

أقرأكَ في ليلٍ شديد الوحشةِ

فائق الحبِّ والموت

أصوغكَ بأحمرٍ زاهي

وأخضرٌ يُقربُ البعيد

وبأزرقٍ خاملٍ وملول

إذا أكل الطيرُ منه غنى

وإذا ارتدته المرأة

أحيتكَ

وقتلتك.

* * *

شقائق النعمان لإمرأة

تمرُّ من تحت نافذتكَ كل صباح

تُؤشرُ بعطرها إلى يباسِ روحكّ

تثقبُ وحشتكَ،

وتفتحُ لكَ باباً،

مابين نومكَ والارق

تهطلُ ظلالها عليكَ

كلما تاخر الشعرُ في المجيء

وكلما نسيتكَ الفصولُ

وسرقت من قصائدكَ كل المطر.

* * *

شقائق النعمان وأنثني لكل ريحٍ تلتقطني من النسيان، ولكل يدٍ تلُمُّني من العذاب وتنحني لكثافة ظلالي برقةٍ كما تنحني الكمنجات على قلوب عازفيها.

في الشِعرِ أُزرعُ بعيداً عن البوغانيفيلي المُحدّقِ أبداً بأثر الموتى وبأطيافهم وهي توشِّمُ الفراغ برائحة الخردلِ ووصايا الخرنوب البرِّي وهو ينبشُ جرحي ويُقيمُ في انطفاء نسيانه وانكسار قوس قُزح عند خط الأفق وبعيداً عن العوسج الحزين كي لايستدرجني إلى يأسه وأفقدُ ألق انتظار الحلم وهو يبعدُ عني هاجس الأفول، ويصدُّ عني صرير باب الغياب، لايُغلقُ كي أرتاح ولايفتحُ كي أرحل.

وفي النثرِ أُزرعُ قريباً من الزنبق الأبيض السعيد وأزهار البنفسج الحنونة، تمنحني كثيراً من فوحها وبعضاً من غيمِ رسائل عُشّاقها تجمعُ بتلاتي، تتساقطُ عليكَ من الحنين، حيثُ الحُبُّ في أوجه والبكاء في أوجه والسردُ في خفوته. تستيقظُ قبل النجمِ هي والفجر كأنهما حبيبانِ يتسامران، حيثُ حلاوة الحديثِ يفوقُ حلاوة الرحيق.

شقائق النعمان وكأنني ماوُجِدّتُ إلاّ لكَ.

نسيان

 

أنا النسيان

فهل تتذكرني ياأيها الغياب !؟

وهل مازلتَ تحلمُ بي،

أشقُّ ظلام القصائد،

أعبرُ الخوفَ من مرآتكَ بفضّتي،

أجيءُ إليكَ،

وأسكنُ حدقة عينكَ اليمنى

أشربُ وأسقي منها

كفِّي المليء بزنبقٍ ينتظركَ في نسياني

أتوجهُ بما تبقى لي

من سحابٍ كي يبقى يتذكرُكَ

وإنْ تعذرعليكَ إنتظاري

قُل للعابرين:

أخّرني جرحٌ في بنفسجةٍ حزينةٍ على التلِ، تُخبىء في عينيها شهقة أغنيةٍ، تسألني عن معنى السراب، ونحيبُ حمامةٍ على أحبابها، وليس قسوة قلبي. تأخرتُ لكنني تركتُ لكَ منديلاً مشيعاً بالغمام، عند النافذة العتيقةِ التي تُحبُّ أن تتأمل منها، الغيم المهاجرِإلى الريحان، ساهراً يسندُ ضلفتيها ويرسلُ لكَ مع المطرِ الأشواق والرسائل.

أنا الغيابُ ياأيها النسيان!! كيف لم تتذكر المراكب العائدة من أغاني شقائق النعمان وهي تودعُ الصيف وتستقبل الغمام، جَرّبْ أن تنتظرني قبل أن أنساك وقبل أن تذبُلَ في ذاكرتي، قًلْ للسنديان الذاهب إلى الغياب، أخّرتني أسمائي أن أصلَ إلى رؤياه، وأمدُّ له حلمي كي يصعد به إلى الحبِّ وينسى أنه:

غريبٌ في الحلم

غريبٌ على الأرضِ

وغريبٌ في القصيدة

قُلْ له: ألم تألف وحدتكَ بعد!؟

والغزالُ المتروكُ في دمه بقربكَ، ألمْ يألفه ريحانكَ بعد!؟

عمَّ يتساءلون في هذه الفسحة المُعدّة للذكرى !؟ ولماذا يوقظون في الحنين الزمن!؟ حيث تنهضُ امرأة من كتبكَ إلى حُلُمكَ وينهضُ النرجس من كفّيها سعيداً، ترشُّ بعضاً من أسمائها على سريركَ قبل أن تمضي وتتركُ لنسيانكَ جرحاً يذكركَ بها .

 

خُذْ قليلاً من يديّ يا أيها الغياب

واتركْ لي كثيراً من نسيانكَ

قبل أن تذهب

كي أندم على مجيئِ إليك

كلماعُدتُ من بنفسجكَ إلى ذاكرتي

 

* * *

 

حَلّقتُ خلف شعركِ الأسود

وهو يطير ولم أستطع أن أتبعه

رَدَّني من تموجه صوتٌ

وقال لي : عُدْ من الحبِّ

ولاتذهب إليه،

دون عتادٍ وصفاتٍ كثيرةٍ وغيمْ

لم أصغ إليه، ثم حلَّقتُ أبعد

في الشعر الطويلِ لذات المرأة، إلى عطشِ جهاتها، تيه عناوينها، خساراتها في الشعر، ألوانها في الحبِّ، عوسجها، قراصنتها الذين يتربصون لها عند كل سرد،تصطفُّ أسمائي لها بخشوعٍ لتدلّها إلى طيرانٍ مملوءٍ بالرؤيا، يزخرفُ لها الهواء ببهجة الفصول ويؤيدها بملائكةٍ تراها وتسندها كلما تعثّرت بالعماء، إلى بنفسجها الضاوي كمنارةٍ تؤشرُ إلى غدٍ  لايتذكرُ نسيانها،إقتفيتُ أثر جناحيها على السماء ورأيتُ الهواء ينبتُ منّي، والريشُ يتفصَدُ من أوردتي وأنا أتعالى، قلتُ: هلْ أنا في الصحوِ!؟ أمْ ما أراه محضُ منام، قلتُ ليديَّ: هل بلغتُ الشعرَ بين خصلاتِ شَعرِها أمْ بلغني المسُّ، ثم تذكرتُ أنني في النسيان، تحسستُ بيدها النابضة حرارة قصائدي وهي تتحررُ من الألمْ، وقفتُ أنظرُ وأرقبُ كل موجةٍ منه كانت تشبه شمساً تنقذُ اليابسة من الغرقِِ في الظلِّ، تشبه موجةً تعيدُ للشواطئ عادة الذهاب إلى الماء دون أجنحةٍ.

وقفنا كلانا في النسيان

هي تسألني عن ظلها

وأنا أسألها عن أصابعي

قلتُ تذكرت: نسيتُ أصابعي في جيبِ معطفكِ

يوم قلتِ لي: لن أستطيع أن أراكَ غداً

مضينا على عجلٍ

أنتِ دون ظلكِ

وأنا دون أصابعي.

أعماله قصائد نعلق الشموع على محرابها

 

أحصنةٌ كضياء الشمس تملأ الأفق، تتلاصق من شدة الوجع تستسلم لها عين الشاهد، إنها دروب متعة الألم وهي تأخذكَ إلى المجهولِ في أرضٍ تآكلت ملامحها من قسوة مدونيها، نمتلئ بالندم في حقول الضوء‘ نستعيد وجوهنا برهةً ونحمّلُ أسفارنا متعة الإدمان على الرحيل بوقاحة التاريخ.

 

ثمةالسؤال الكبير يحاصرنا ونحن نبحث عن الصياغات في لوحات بشار العيسى، عن طقوس شعبٍ أهلكه الوجع، ينتظرعند بوابات مجهولة، ذاكرة أرضٍ وما تبقى لها من النسيان، مفتوحة على كل الفرضيات والتأويلات ونحن ندون ماتبقى من أجزائها على الورق لنرمم بها تاريخ المكان ومعرفة أعاليه،ألوانه  رياحٌ باردة تهبُّ على القصيدة، تتبعُ أرواح شخوصه ،كأنه الحزن  يغريكَ، فتنامُ في كفيه، تسقط في التراب الذي يضمهم فتخترق جنونكَ كلما أزدهر الوقتُ وأينع الألم.

 

تجربته الفنيه مسندةٌ بتعبيريةٍ ترهقُ النفس وهي ترجم الهواء وتطارد الذئاب في سهول ميزوبوتاميا، تعلمكَ الخطايا وأنتَ تصطدمُ بناظريكَ في لوحته لإنسيابية خطوطها الرفيفة إنها ألفُ البداية، فمهما كان السردُ، يبقى القول عن لوحته لم يبدأ بعد. هو تعبيريٌ تشرّب الأسى من واقعٍ مُرٍّ ومؤلمٍ وثقيل،  تكويناته جمالية، يغرف من الماضي عشقَ أسئلته ويجعل منها موضوعته التي تحملُ كل دلالاتها الحداثية بموضوعية وتاريخية، تجمع بين إرثه الماضي والحاضر ، المحفورة بذاكرة ملونٍ مخضّب بعشق الأرض وأسئلة السياسة، التي كانت بداية تجربته الفنية  وفراسته التشكيلية.ولحساسيتة المفرطة ولمعرفته بالفني والثقافي، أصبحت فيما بعد وثيقة لكل التجارب التي جاءت من بعده .

 

بقيت لوحته طريّةً، يسكبُ عليها من روحهِ، يسندها بمواويله، يخاصمها تارةً،يحذف ويبسط ويجرد‘ لكنه غيورٌ على جوهرها  يلجها بشاعرية ليزيح عن كاهلها الكآبة والملل،إنها عوالمه المستندة الى وعيه الروحي .

 

على كتفي دجلة والفرات كان بشار العيسى يراقب النسوة وهن يجمعن الحطب لمدافىء الشتاء،أيادٍ ضخمة وهائلة بسماتً تعبيرية وحركاتٍ إيقاعيةٍ ، أيائل الحقول وقطيع الماعز ونساءٌ ترتلُ شفاههن  أغاني  خجي وسيامند، مم وزين كان يرسمها على خاماته بأقلام الرصاص بقيت أعماله تلك شواهداً صارخة وكأنها قرابينه الأولى لرحم الأرض

 

عبر فضاءات الرمز والإسطورة، وببلاغته الساحرة قدّم بشار أعماله، والتي برزت جليةً بالتوازي مع كتاباته التي كانت شبيهة روحه. تلك هي صياغات أعماله  الأولى، رَسمَ الفقراء والمهمشين ، أسرارهم ودفائنهم، لم يركن الى الصياغات الجاهزة، إنها لعبة الخلق لديه هي علامة وحدث في جسد الفن التشكيلي السوري على مدى أربعة عقود خلت، علامة تميّزت بعوالمها المتفردة وبخصوصيتها الخصبة وفضاءاتها الشاعرية العذبة.

 

 غيمٌ ناعسٌ، أفقٌ حزين، والماعز البري يسرح في"سيباني خلاتي" تراتيلٌ ووجوه فضيةُ في الريح وكأنه القابضُ على الجمر، يستيقظ من نزيف الجرح في صباحاته الباردة، تضيع وجوه شخوصه بين زحمة الأشياء، يتوحد في عيونهم، يدمنُ أحلامهم، ويرحل معهم من متاريس الجرح، وهم يلتحفون الضباب ويتناثرون كأوراق الخريف في صباحاتٍ هامسة، هم يكابدون الترحال على عجل وحركاتهم قاسيةٌ ثقيلة ومؤلمة، وبإيقاعاتٍ عميقة تُحدث في النفس قلقاً نجاهد كثيراً لنستطيع الإفلات منه، كأننا نسكن جسد الكارثة وسط هذه الحضارة المزعومة، إنها شهوة قول الحقيقة خارج الهدوء المقدس فمنذ ولادتنا كانت خسارات العدل وكأن كلٌ منا يسير إلى حفرة قبره، كلنا حمقى طيبون وأغبياء، وتتقاطع الخطوط بين القاتل والمقتول في صحراء الروح، إنها سطوة الموت ونحن نبحثُ عن أسماءنا في عالمٍ من الفضاء الكوني البربري، يكبر ويتسع ويسقط في بقعة صغيرة من العتمة.



 تغوص اللوحة في عمق التاريخ، تزيل عنه ظلم الأولين لشخوصه، تاركاً لنا بخبرة متصوف وبتقشفً لوني وهو يسرد الماضي ضمن مساحات أعماله، وبخطوط رجفة أصابعه،أزرقٌ ، أصفرٌ، أحمروقمحي هي ألوانه، يختارها، نفتقد القدرة على تسمية هشاشة رقّتها،عبر إشتعالها وخفوتها في قداسة الأزرق وهو لا يعلن عن حضوره إلاّ بالإيحاء السخيِّ، حارة ، باردة تسكن جميعها اللوحة.. أصفرٌ، لون واحدٌ نسميه، الخمريُّ والعسلي، عالم مليء بالرؤى والأحاسيس ، يتجلى الخط ،إنه نوعٌ آخر من الوصال، في حواريته وتناغمه بلمسات خفيفة ، ناعمة وناصعة ،ويتجلى في التماهي بين الأخضر والأصفر وكأنه يغسل عينيه على أفقً ضيقٍ يتشكل في أعلى اللوحة، كما يأتي الأبيض مليئاً بالألوان، بعطائه رغم خطورة استخدامه المفرط كيميائياً. متناسياً بذلك كل مدارات الذاكرة، فاللون لديه موضوعة بحد ذاتها وأعماله رموزاً ملونة، يغزلها وينسجها بثراء تجربته في بناء اللوحة، مثل كتابات عفوية يُزخرفُ بها جدران ذاكرته المتيقظة وهي تؤشرإلى خزينه المعرفي والبصري بلغةٍ انسيابية هادئة ومطواعة، كأنها سياقاتٌ شعرية متكاملة.يقدم أشكاله بدون رتوش في ذواتها المعذبة لتتحول بعدها إلى فضاءات اللوحة كلها ، كل جزءٍ يبوح في مساحات الخسارة الشاسعة وباسلوب من الإختصارات الرصينة تدفعك إلى البحث عن مربعاتٍ للسرد تركها صدفةً هنا أو هناك.

 

 

ظلت الإسطورة مصدراً ملهماً لمخيلة  الفنان بشار وانعكست على أعماله رموزاً وأسراراً يجمع خيوطها، فكأنه رحّالٌ مرَّ بها، اللوحة هي الفسحة التي يتنفس منها الهواء، هي حجرته، من خلالها نتلمسُ فكره وعشقه لها وهو يتنقلُ بها في زحام الممرات، لم يكتفِ في لوحته بظاهرها الحرفي فقط أو بالإنشغال  بمفردات عناصرها عبر توليفاتٍ تشكيلية غامضة، أو إرضاءً لغريزةٍ بصريةٍ ما، بل قدّمها كحكايةٍ عن ظهور هذا العالم وتلاوة نشأة هذا الكون.

 

كانت تؤرقه الحكاية وهو يخطُّ ملامحها، يزدهرُ قلبه جرحاً بعد جرح، هي ملهاته التراجيدية الخاصة وكلامه المشاع، لوحته هي البراري، تطفئ قناديلها بدم الورد والمعاني.

 

من حافة عيونٍ حالمة يُشكل غيوماً ورديّة اللون، يُرتبها بحبٍّ وعلى عجل. عيونٌ تشدُكَ بندائها الغامض إليها، كشوك الكلمات حينما تهربُ من فواصلها ويختنق الفراغ الأليف في لون الخطايا، هي اللوحة عنده بسماتها الإسطورية والفلسفية، تؤدي دور المُفسّر لعذابات شخوصه في يقين حدسها الأزلي.

 

افترق بشار العيسى تشكيلياً عن الآخرين، حتى أصبحت لوحته كنجمة الصبح، بوصلته وهي تحدّد له تخوم السماء في أسفاره، رسم الحبّ والحق والألم بحرفيةٍ متفوقه، وشّحها بروحه الرهيفة.

 

نذهبُ إلى لوحته بأقدامٍ عاريةٍ تكتسيها الرهبة، وبقلبٍ مفتوحٍ لايشبع وهو يلمُّ الحنان من ألوانه، ومن أطياف الضوء التي تفيض من وجوه نسائه، من حركاتهن، ووحدتهن، واغترابهن، قد ارتقى بالفقد إلى الحب كتيمةٍ طغت على جميع أعماله وإنْ كان اللون يضاهي حضور الفرح أحياناً


لم يصاهر بشار العيسى مدارس الضياع المختلفة وشعاراتها، إنما ذهب باللوحة إلى أبعد   حدودها الروحية وجعل من الإنسان المقهور موضوعته و محوراً للحياة بمشاعرنبيلة مفقودة في هذا العالم الذي يعيش دوامة رهيبةٍ من القلق، ضمن ما أنتجته الساحة الفنية العالمية من أجواء سهلت التنافس والتعميم في مجالي الإباحية والضياع وما تجلى من واقعية هذا العصر بلامعقوليته لنصل الى المكشوف في إنتاج كل شىء وهو يمجد الخديعة تحت مسميات المدارس الطبيعية في الفن والأدب والإبداع.

 

 انكسارات حنونة وحادة إنها رحلته الدائمة وهو يبحثُ في زوايا النفسِ عن خسارة قادمة بجسارة الفنان المدرك بأن اللوحة ليست مجرد تزيينٍ وترف بل أنها حقولٌ مفتوحة للتعبير بعيدة عن الفن الراهن والزائل وهو المشبع بخصوبة الأرض يسكنها كفراغٍ في لوحته تتكامل بعفوية العارف وهويخضعها إلى مقاساته البصرية وهو يستعير من الألم أرقى درجات الإرتعاشة المفعمة بالقلق الإنساني  باحثاً عن حريةٍ وعدلٍ لم يستقيم ، هي رحلته المتكررة في خفايا الصمت التاريخي المأساوية،  في انتظار القادم لتطهير جراحات البشر من هذا الإرث الكارثي الذي يعمم يوماً بعد آخر على سطح هذا العالم.

 

أسسّ بشار العيسى لتجربة احترافية بمفردات متنوعة من استخداماته لخامات مختلفة من الرسم بالماء والأحبارالملونة والزيت والترابات والنحت المسطح والصنعة الغرافيكية التي تميز بها عبر رسوماته وتصاميمه للعشرات من أغلفة الكتب ورسوماتها الداخلية منذ ثمانينات القرن الماضي وبقيت الأعمال الغرافيك بابعاد  أخرى كصنعة تلازم نتاج الفنان أحياناً  في بعض أعماله إلى يومنا هذا.

 

لوحته غابة طازجة تنعشك بنسماتها الدافئة وهي تخطف ابتسامتك وأنتَ تستطيب الدهشة، إنها المطر الخفيف ينساب بين غيمة وغيمة،كاللحظةالتي تأتي هادرة لتمحي لدغة الجوع عن شخوصه في تدشين المتاهة، في لوحته تغفو نجومه الجريحة، وأوصاف خطيئةٍ كذنوبنا التي لاتغتفر، تعطيك ألق الجرحِ وتسكنك في وحشة الروح،تترك أسماءنا وتقتلنا في كنف هذا العراء، هي بوابات عشقً، سحابة حزنٍ وضوء نحيل كأزهار اللوز وخجل الجلنار وغياب يضيء عرينا في حقول الجمر، في غمرةالصمت، ونحن نطحن أسئلتنا في قصائد نعلق الشموع على محرابها.

 

 

مها بكر

شاعرة سورية تقيم في ألمانيا

mahabecker67@hotmail.de

 

ألمانيا، أواخر شتاء 2009