نشيد الأضلاع صوت ثان للمحنة الأولى
أبراهيم الجرادي
أريدُأنْ أُجمَّع الموتى عن الطريقِ
أنْ أُنظِفَ المكانَ من بلاغة المكان.
أنْ أكفَّ عن جريرتي
وأنْ أعِفَّ.
أريدُ أنْ أُخلِّخلَ اليقينَ في محنتِهِ
وأن أُبدِدَ الصفاتْ.
أريدُ أن أمدَّ لغتي باليأسِ.
(إن اليأسَ مثلما القديسُ طيَّبٌ
ومثلما الأنهارُ في مناطق الجفافِ
مثلما الفراتُ آنَ الطمّي
مثلما الراديوم...)
أريدُ أنْ أُعطيكَ ما لم يعطكَ الوالدُ والمولود:
قميصَ ليلٍ واسعاً وكأسَ ماءٍ ربما، وربما محبرةً وربما..وربما.. لا فرقْ
وامرأةً
تجْهَلُ أنْ الشعرَ يأتي، غالباً، واليأسَ
(أنَّ اليأس ظلُّ بأسِهِ
مُعَذبٌ
مُعَذِبٌ
عشبٌ قصيرٌ لامعٌ ويانعٌ
وبؤبؤٌ متَسِعٌ وواسعٌ
يكون، مثلما يكون، عادةً مُزَنّراً بنفسِهِ).
الأشياء
تتوالدُ من أشياء:
راياتُ الموتى-الأحياء، الهزائمُ المآتمُ، ثرواتُ
الصُدفة
الحَدْسُ، اللبسُ، أبناءُ الندرة، العبوديةُ
المختارة، بسالةُ الخائن،
توجسُ الحكيم،
فنُ الغواية،
شهقةُ المُحب، بلاغةُ التُرهات، حرائِقٌ الرغبة:
سيدتُها، رنينُ تفاحِها
زفيرها الضاري
نهوضُها العجول
غيبوبتُها،
كساؤها.
بلاغةُ الخائف، عفونةُ الوليف والمكانِ.
شِعرُ التدليس،
لذةُ المصادفةِ، ارتباكُ طرفيها.
أناشيدُ المهزوم.
تأتأةُ الفصيح، فصاحةُ النذلَ.
عسلُ الحاكمِ، أهلُهُ، ذووهُ، ويقظةُ الظنِّ.
حنظل المحكوم، أهلُهُ، ذووهُ، ويقظةُ المحنِ.
الأشياءُ، كلُّ الأشياءِ،
تركض عجولةً نحو صفاتِها
وتسيِّدُ العبيد
إلا اليأس
يولَدُ من نفسِهِ، يتباهى بزينةِ الخائب
ويمتدحُ سوءَ الوقتِ
يفككُ أزرارَ المهزلة المستشّريةِ ويذهبُ في لذة الاضطراب.
يحفظُ عبقريةَ الجَزَع
والهَبَلِ
وعلم الدلالة والتأويل.!
يتوارى خلف نفسه ليدخل حيث لا يدخلون.
ها.. إنني أبحثُ عنكَ في ملاءةِ القديسِ.
في معاجمِ الرجاءِ
في الكتابِ
في خرير الماءِ
في الأصحَابِ
في نسيسِ النارِ
في كلامِ المخبر الشاويِّ
في النصوصِ
في مآثر اللصوصِ
في بلاغةِ الشقاءِ
في الطريقِ حيثُ يركض السوريُّ
نحو
هدأةٍ
هناك
(يريدُ أنْ يراكَ
أنْ يراكَ
أنْ يراك)
أكانَ عليكَ أيها الشِعرُ
أن تفتح صدغيكَ كالحوت، وتدرب ذويّك على مهمةٍ طويلةٍ،
لحربٍ ضاريةٍ ضروس، يشنها الغافلون الرعاة، والوطنيون الحفاةُ
أكانَ عليكَ أن تهتدي بسلالة التيه أو سلالة الحنين،
تباً..
أكان عليكَ بالنقيضين؟! تباً!
أكانَ عليكَ أنْ تجمع ثعالب الوقت العطشى، حول كوثرها وتمضي سادراً
في غواية الكآبة.
أكانَ عليكَ أنْ توقظ الصوت في أرضٍ مفرغةٍ من الهواء ومأهولة بالفراغ..
أكانَ عليكَ أنْ تحمل الجنازة عالياً،
كي يراها النظامون المغتبطون بسوء الحال
وأنتَ.. يا كسيح، يا قبيحُ، يا وقيحُ
يا بُصاقَ رجلٍ مسلولْ
عليك أن تقولَ
أوت....... قولْ.
وأنتَ.. يا (شن شين) يا قليلَ الشأنِ في مملكة
الأعرابْ.
يا من يلوكُ تحتَ ضرسِهِ
«البيان»
كاللبانْ
من دَجَجَ الأفكار في ممالك الذئاب.
من زيّنَ الخرابْ؟
وأنتِ.. يا من تركضين، الآنَ، نحو غابةٍ كثيفةٍ!
يا من نسيتِ زوجك الوحيد في الفراش!!
لقد خرجتِ دون أن تودعي الأطفال!!!
(لا أريدُ أنْ أقولَ
في «الإلفة والإيلافْ»
ما يقال..!)
وأنتَ يا مَنْ بعثَرَ الأفكارَ مثلما يبعثرُ الهواءُ
ثوبَ امرأةٍ مثقلةِ الأردافْ
هل تريدَ أن تكونَ كاهناً في الشِعر
وفاسقاً في آنْ..؟
هل كنتَ قبل هذا اليوم في صفوفِ حزب الريح
حيثُ يرتخي المقاولون في ثيابهم
وترتخي الأعضاءُ
«والأشياءُ» تستريح؟
وأنتِ.. يا شاعرة «البوستيج»
يا....
وأنت، أيضاً، يا مهندسَ الأشعار في نقابة ِ المديح
أما أخذت القيحَ، عندما أعطيتَ ذاك
القيح
يا ويح من لم يدركِ الأشياءَ في أوانها يا
ويح.
في بادية النعاس، حيثُ المسافرونُ يستدرجونَ مياههم، ويغضون في كِثب أحلامهم الملونة، ثمَّةَ خِشْفٌ يجتاح سراب الصيادين وثمة من يغفين على مصاطب الرغبات الضارية، يختصرن الشهقة ويتلعثمن بانتظار أحصنة النعناع..
هناك.. حيث الفاقة تتزيا بنفسها، وحيث المحنة تقطع أوصال الوقت، وتنثر الدم الأبيض على الحيطان
ثمة من يرجو غفراناً في أرضٍ ترتجف يقيناً واحتساباً.
وأنتَ.. أيها الراهبُ في كنيسة الأتعابْ
هل ترفع الناقوسَ عادةً لتغلقِ الأبوابْ
وترفع الترتيلَ
عالياً
حتى تضيءُ في الظلام النفسْ
هلا تركتَ الكأس؟
وأنتِ يا فتاةَ الليل في الجاز- باند
يا من تقوم في خفتها كالريح
لا تبعثري الثياب في المكانِ
لا تبعثري الأوصاف
لا تبددي الذي.. لديكِ
لأنه أجمل ما عليكَ
وأجمل ما يكون، عندما يكون، بين
راحتيّ.. كِ.
وأنتَ.. يا من تكرهِ التقليدْ
هل تتركِ الأوزانَ كي تكون مثل رامبو؟
وأنتَ.. يا محمودُ يا درويشُ
يا نزيه أبو عفشْ
يا صادقْ جلالْ العظمْ
يا وحيدَ القرن
يا حمامةَ التنكيل
يا UTE التي تترجم الشهوات
للروسيِّ
أريدُ أن أظل واقفاً
كشجرِ العاقولْ
أريدُ أن أقولْ:
أريدُ أن يكفَّ عن مزارعِ النظامِ هذا البقرُ
الشِعري.
أريدُ أنْ يتسع «المضيقُ»
أنْ تتسع الجدرانُ
أنْ تتسع السجونُ
أن يتسع المنون
أنْ يتسع المكان كالتابوت.
(تريد..
أن تموت؟)
أريدُ أن تظل زهرةُ الشهيق/ جارتي
مضاءةً (كشجر اللبلاب
كغرفةٍ كمديةٍ لينةٍ
في كسرخس
غابةْ كطلقةٍ ماَئيةْ)
نفّاذةً كقشرةِ الليمونْ.
أريدُ أن تمتَّد هذي الزهرة الوحشية المشرعة
الأفخاذ
أريدُ أن آخذ ما لم يعطني
الشعر الذي قد خَسِرَ الرهان.
لقد غدا الزمانُ ضيّقاً وضيّقوا المكانْ
وكل شيءٍ في المكان ضيّقُ
الوالدُ الكئيب في إهابهِ
والولدُ المسكون في ارتيابهِ
وحدْوَةُ الحصانْ
والوقتُ والأوصافُ
والشعرُ والرفيقُ
والبيتُ والطريقُ
والمخبرُ المدسوسُ
والمجردُ الغامضُ والمحسوسُ
والشاعرُ الممسوسُ.
<