| | |

 

      Design:kalil ----------------------------------------------------------------------

أهلاً بكم في تيريز

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                              

 

 

 

  

أعاصير الرغبة زاحفة

والبرق يحشد

من كلِّ صوب

نبوءاته

سان جون بيرس ـ

 ناتاشا

نذير جعفر

عندما وصلت مع فرقتها إلى حلب، كان عليها أن تعمل أولا بنصائح المسيو جميل مدير ملهى الكروان الذي وقّّعت معه العقد: العلاقات العاطفية مع الزبائن ممنوعة، والخروج من الملهى أو الفندق ممنوع إلا بمعرفته، والمهم جيب الزبون لا شكله ولا قلبه ولا عقله! وعبارة«جيب الزبون» تعني استنزافه بفتح أكبر عدد من زجاجات الويسكي، أو الشمبانيا، أو البيرة، على حسب الطلب.

 مع الأيام، بدأت ناتاشا تفهم أصول اللعبة، فبعد «الشو» الذي تقدّمه، تجلس في إحدى الزوايا بمفردها شبه عارية، فتشعل سيجارة، ثم تتصفّح الوجوه الجديدة، وتبدأ باصطياد زبائنها، واحدا بعد الآخر، إلى أن ينتهى البرنامج الليلي، وُتطفئ الأضواء، فتخرج بعد ذلك برفقة فرقتها مع أول خيوط الفجر، إلى الفندق القريب في شارع بارون.

 عملها المنتظم، والدخل العالي الذي بدأت تدرّه على الملهى، جعل لها حظوة خاصّة عند المسيو جميل. فأصبح يغض النظر عنها إذا تأخّرت مع الزبون، أو خرجت معه أحياناً، على أن لا تنسى حصّته من المقسوم.

كان التحدّي الكبير الذي واجهته بعد إقامتها بأشهر يوم ذهبت إلى المعاينة الدورية في مديرية الصّحة مع صاحباتها في الفرقة برفقة ديبو الشمّاط مسؤول الآداب. فالتحليل الخاص بها تأخر، وتأخره زاد شكوكها ووساوسها، إلى أن جاء ديبو ومعه المسيو جميل ليخبراها أن التحليل أثبت إصابتها بالإيدز وعليها أن تستعدّ للحجر الصحي والتسفير. كانت ردّة فعلها الوحيدة بعدما سمعت الخبر هي البكاء والبكاء ولا شيء غير ذلك!

لكن تفتّح عبقرية ديبو الشمّاط أنقذت الموقف، فأقنع المسيو جميل بأنه سيرشو موظف المخبر ويخفي التقرير ولا يسلّمه إلى الجهات المختصّة على أن يدفع له أتعابه شهريا مقابل هذه الخدمة! وبذلك وجد جميل حلاّ لمشكلة ناتاشا ومشكلة العجز المالي التي كان سيقع فيها بسبب سفرها وفسخ العقد معها. وهكذا عادت المياه إلى مجاريها وكأن شيئا لم يكن!

بعد معرفة ناتاشا بإصابتها بدأت العلاج عند طبيب من أقرباء ديبو وبتوصية خاصّة منه، وتكتّمت على مرضها حتى مع لودميلا أقرب أعضاء الفرقة إليها، لكن إحساسا غامضا بالكراهية بدأ يتسلّل إلى كيانها، كراهية الرجل، كراهية الحياة، كراهية عملها، كراهية حلب التي أحبتها وأحبّت حاراتها القديمة ومطاعمها وأسواقها حتى الجنون قبل اكتشاف إصابتها. هذا الإحساس الفادح بالكراهية ترافق مع سؤال ممض ومفجع: أين ومتى أصيبت؟ ومن السبب؟ وأمام عجزها عن الإجابة، وعجزها عن التحمّل، لم يكن أمامها سوى النسيان، نسيان مرضها، نسيان من هي، ومن أين، وإلى أين، ولماذا! شيئان أدمنت عليهما هما الويسكي والمخدّرات كلّما أتيحا لها في أيّ وقت، ومع أيّ كان!

 صادف دخول حسّان إلى الملهى الليلة الأخيرة من الشهر، وهي الليلة التي لا يتجاوز فيها عدد الزبائن أصابع اليد. لذلك تهافت عليه الجراسين، وبدأ كل منهم يخيّره مع من يجلس. كان متردّدا بين هذه وتلك إلى أن داهمته ناتاشا بنظراتها المغرية، وقوامها الممشوق، وصدرها المكشوف، وسيقانها البيضاء الناصعة، فأشار إليها، وانسحبا معا إلى الدور الثاني لينفردا في إحدى الزوايا المعتمة البعيدة عن النظر.

  مع الويسكي، والموسيقا الخافتة، والضوء الشحيح المنسرب من السقف، والجسد المشتعل الذي يلتصق به، ويجوس بأصابعه في هضابه ومنحدراته، بدأ حسّان يفقد توازنه دون أن يتوقف عن الثرثرة مع ناتاشا بالإنكليزية التي يتقنها تماما. كان الجرسون يباغته بين حين وآخر مدّعيا قدوم دورية الآداب، فيضطر إلى دسّ مبلغ في يده كي يغادر ويتركهما وحيدين.

  وعدها بأنه سيظل يأتي من أجلها، إن سمحت له بأخذ حريته معها، ثم أعطاها مئة دولار كان يحملها في جيب سترته عربون صداقتهما، فلانت له في آخر السهرة بعد التمنّع الذي أبدته في أوّلها. وبإشارة منها أحضر الجرسون نصف ليتر آخر من الويسكي، ففتحته ودلقته على حمامته، وراحت تداعبها بلسانها وشفتيها حتى الانتشاء، فلم يعد يعرف في تلك اللحظات هل هو في حلم أم في حقيقة، في صحو أم في سكر، وما بينهما راح يعترف:

(( لبنى لم تمنحني هذه النشوة، لم أحس مرة واحدة معها بما أحسسته الليلة مع ناتاشا. ما الفرق بينهما؟ إنه بسيط للغاية، ناتاشا تأخذ وتعطي، أما لبنى فلا تعرف إلا أن تأخذ! أنا أعرف بأن هذا المكان لا يناسبني، ولا يناسب مقامي، ولكن للضرورة أحكام. أنا عطشان، ولا أحد يروي عطشي إلا هذا الصنف! عيب، حرام، كله صحيح! المهم أنتقم، أنتقم من الماضي، من ناديا التي رفضتني، من منى التي أذلّتني، من لبنى التي خانتني. أنا إنسان شكّاك بطبعي، بعيني شفت جارتناـ وأنا صغيرـ عريانة في حضن أخي! وبعيني شفت الكوافيرة ـ وأنا طالب بكالورياـ طالعة من بيت جارنا اللحّام لمّا كانت زوجته في المستشفى! والخيانات حتى بين الأقارب ما لها حدود! وطوال عمري ساكت ومحترم، وبالع  السكين. لا، لازم أضع حدّا لكل شيء. لبنى زوجتي وبعد اليوم ما في شغل، ما في وظيفة، ما في مشوار من دوني. أنا حسّان بيك مثل ما كان أبي يناديني. ولازم أحافظ على هذا اللقب حتى لو على رقبتي...)).  

بخروجه فجراً من الملهى، سمع صوت «الله أكبر» ينبعث نديّاً رخيماً من مسجد العبّارة، فنظر في ساعته ثم وضع يديه على وجهه خجلا من نفسه، وقال بصوت خافت: «أستغفر الله»، ثم كرّرها ثلاث مرّات، وركب سيارته متّجها صوب بيته في حلب الجديدة، وهو يردّد في سرّه: لعنة الله عليك يا فاضل السرحان، لعنة الله عليك يا ابن الكلب!

  استيقظ حسّان عصراً، حمد ربه أن اليوم هو يوم عطلته الأسبوعية، شعر بالصداع وبما يشبه القرف من نفسه ورائحة تعرّقه، دخل إلى الحمّام حالا، أمسك بالليفة والصابونة وبدأ يفرك جسده تحت مياه الدوش الدافئة. داهمه إحساس عابر بالنجاسة وتأنيب الضمير، فأعاد فرك جسده مرّة ثانية وثالثة حتى احمرّ مثل الشوندر، لكن الشعور نفسه ظل يراوده حتى بعد خروجه من الحمّام. غلى فنجان قهوة ثم أحضر القرآن الكريم وجلس في الصالون يقرأ فيه حتى دمعت عيناه فأحسّ بشيء من الراحة! تمنّى أن يقرع الجرس، أو يرن الهاتف، فتدخل لبنى أو تتصل على الأقل، لكن رجاءه خاب، فلبس ثيابه على عجل واتجه صوب رؤى ليرى فيما إذا كانت لبنى عندها أم لا.

 لم يجد هناك أحداً، لا رؤى ولا لبنى، فذهب إلى بيت أهلها في السريان القديمة، وهناك وجدهما معا.

 لم ُتفاجئ لبنى به، فقد توقعت مجيئه واعتذاره، فهي تعرف نقاط ضعفه وتردّده، وإن كانت لا تستغلها. رحّبت به أم ماجد، ولامتهما معا هو ولبنى على المشكلة التي حدثت بينهما، ثم طلبت منه تقبيل رأس لبنى علامة على الصلح، فقام وقبّل رأسها، فقالت له بحزم:

ـ آخر مرّة أسامحك فيها.

ـ رد متعاطفاً:

ـ إذا أخطأت بعد اليوم لا تسامحيني.. ولكن بشرط أن تتركي الشغل وتتفرّغي للبيت.

ـ أترك الشغل ..مستحيل! إلا إذا صار حمل.

ـ هذا وعد منك، وأمك ورؤى وماجد شهود عليك.

ـ أنا موافقة وعند وعدي.

   بمناسبة الصلح، دعاهم حسان إلى سهرة جماعية في مطعم السيسي، فخرج الجميع عدا أم ماجد التي ظلّت جالسة وحدها وهي تدعي ربها أن يوفّقهم ويصلح أمور دينهم ودنياهم، فيما راح حسان يفكّر في تلك اللحظة وهو يقود سيارته بما سيفعله لو التقت لبنى بفاضل السرحان مرّة ثانية في غيابه؟

 

 

فصل من رواية تصدر قريبا بعنوان "الظهيرة العمياء" 

كاتب من سوريا

natherg@scs-net.org

 

 

تيريز .نت غرافيك وإخراج

 خليل عبدالقادر

kalilart@hotmail.de