| | |

 

      Design:kalil ----------------------------------------------------------------------

أهلاً بكم في تيريز

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                              

 

 

 

 

مرسول الحب:

محمد عفيف الحسيني

 

إلى "فاس"

يهطل المطر بفجور، ونحن في الطريق ـ الشاعرة لطيفة المسكيني، وأنا، من غوتنبورغ، إلى هلسنبوري. وسيظل المطر، من هلسنبوري، حتى مالمو، حيث الشاعر جليل حيدر في إنتظارنا.

تتفتح أزهارُ البرقوق في الطريق، ويتشقق القلقُ، إلى نعاس في الباص؛ ظهيرة متكتمة، هادئة قوية وفسيحة.

سأغيب عنك.

سأغيب عنك.

نردد، كلانا، في الباطن، الذي جعل الظاهرَ في رحلة من فاس، إلى غوتنبورغ: كوردي شاعر، في نصف جرح، مغربية شاعرة، في نصف جرح. يتهادى الباصُ، ويتوقف في هلسنبوري. تأتي إبنتي مع صديقها السويدي، إبن القس، نحضنهما؛ تأخرتْ عنا لدقائق، نشتري في الطريق إلى بيتها، مايلزمنا، ثم، سنذهب في المساء، إلى جليل حيدر.

لقد تأخر الشعر.

تحت مطر السويد الكثيف، وربما الأعمى، سنجلس في بار ما، ثم نودع الشاعر ـ أمير الورد، بعد نبيذ طيلة ثلاث ساعات. جليل حيدر، لم يتغير، لطيفة المسكيني، لم تتغير، وأنا لم أتغير؛ الزمن هو الذي يتغير، ربما، توقف المطر، في الطريق إلى هلسنبوري: مطر خفيف مدهوش من عاشقين غريبين: فاطما مغربي، كما في ملحمة سيدي الكبير أحمدي خاني، تلك الفتاة بصورتها الشائعة عند الكورد: ناهدة، جميلة، بشفتيها المكتنزتين، والقرطين في أذنيها، والوشاح الصوفي على خيالها الكسير. ثمت، أيضاً المساء المتوتر، في المدينة البحرية، تهب على مسائنا الأمطار والبحث عن دفء شاعري، فلانجده، فنجد سجادة مشغولة بيد مريدي سيدي أحمد التيجاني، وفي فاس، مدينة الضيفة في غوتنبورغ.

تنام روز، وتنام معها القطط، وينام السجاد، وينام البحر الكئيب. في الصباح يستيقظ إلإبريق الشاي والجبنة والتوتر وحركة السماء وعذاب الشاي والخوص اليتيم والسكاكين الضعيفة ونداء الثوم المتفجر في الروح والأشواق، وسنعود إلى غوتنبورغ؛ يتوقف الباص، يتوقف/ أيضاً ماذا كنا نتحدث به، رأسها على كتفي، الشاعرة المغربية، ورأسي على كتف عامودا، ألهج لها بالحب. فتلهج لي بالحب.

خالد بابان، وليد هرمز. سيكونان في انتظارنا، في البرزخ.

جبنةٌ خضراء، الطريق من طروادة إلى الشمس الشاحبة في السويد.

كبش وقح، لسان طويل، أغنية أندلسية، وشاح أحمر دافىء، عبدالوهاب الدكالي، ضريح بافي كالي، النبتات التي ستجف من العطش، ومن مرور يدي عليها، نبتات سيدي أحمد التيجاني، وأنا أدخل طائعاً إلى مسجده، في فاس، أمرر بيدي العاشقتين على رخامه البعيد، وأسمع نداء إبنة المدينة ـ الشاعرة؛ يفور البخور، ويفور التاريخ والقيشان والحمام القليل ويوم الجمعة الصامت.

فيروز مبارك، كان يتجلجل في الذهب، غادر إيران، إلى كوردستان، ثم، غوتنبورغ، ثم، المغرب، فيروز حجر أصلي متوحد ومستخرج من أشواق الأغنية التي هي البجع ، بجع تلك الطرقات الموحشة في الذبح.

فيروز، الشجن، النترة العصفة الملح الخشن الدم الخشن السماء البعيدة الشمس تحت سماء فاس السماء الحب.

أين كوردستان، أيها الغريب؟.

في قلبك، في عامودا.

يتردد صوتُ أمي تسأل عن مسائي في غوتنبورغ مع الفاسية؛ ترد عليها الفاسية.

البرونز الشجي، والسماء الكالحة، والأصدقاء الذين غمروا الضيفة الغريبة بالتصوف.

وغمرتني الضيفة المتصوفة بالأشواق.

يهطل المطر على شرفة جليل حيدر. ونحن نغادره من مالمو، إلى محطة الباصات، تلك التي في الرجفة.

أمسك بيدي، ممد. تقول الشاعرة الفاسية.

أمسك بيدي الشاعرة الفاسية. أرد عليها.

في الاستراحة الوحيدة، أدخن، وأراقب الشاعرة الفاسية، المرتجفة من زمهرير السويد، أضحك لها، وأضحك للسائق المتجهم، أركب الباص. تبتسم الشاعرة الفاسية من حركاتي الزعران.

أحضن يدي، ممدي.

هلسنبوري.

البحر الكثيف، والسير الكثيف، والبواخر العمياء، ومطر لم يتوقف.

ستغني لي، في الطريق أغنية غوتنبورغ، التي ألفتها، ولحنتها، وغنيتها، وهي لم تصل بعد، إلى غوتنبورغ.

كانت السيارة، التي أقلتنا من مطار غوتنبورغ، إلى غوتنبورغ، مرت أمام نصب حجري: ثلاثة أحجار ناشفة، تنام على بعضها، وينام بجانبها الحبر الصوفي، الذي من المتصوفة: لطيفة المسكيني. 

المشمش، الناشف الطري، في سوق مارشيه، والبضع شتلات من نبات مرتجف في كأس مرتجفة في ألم الشاي، وبضع ساعات من الغياب عن فاس، أو عامودا، بضع ساعات، صافية مقطرة في سماء الكبش الذي سيذبح بهدوء وبثغاء: لماذا يذبحونني، ياأبتي إبراهيم؟!.

كان ياماكان.

يغني الوقور عبدالوهاب الدكالي، في الشارع المستند من بيت المتصوفة في فاس، حتى بيت المتصوف في عامودا.

لكن، لماذا يغني كان ياماكان؟.

النعناع من أعشاب الله وخيراته ونباتاته العذوبة، تلك النادرة في السويد. في فاس ينام النعناعُ، كل مساء، بجانب خيالنا.

متى سيأتي بارام؟.

*** 

بارام، وبارام؛ ظللنا نلهج باسمه. اسم قوي، يشبه الصخب في فاس القديمة.

كيف سأزورها؟. لستُ أوربياً، ولست عربياً، ولست سائحاً، ولست سريالياً، ولستُ إبناً للمدينة المتوجة بالتاريخ، ولستُ كان ياماكان، ولستُ حجراً منقوشاً على تاريخها الطويل، ولست مرجاً أخضرَ، ولست تكبيرات المآذن، ولست الحَمَام القليل على شرفات جامع القرويين، ولستُ أشبه بالقيشان على المحاريب، ولست أشبه بالمباركات المرتمية على بلاط صحن جامع القرويين، ولستُ أشبه ذلك الصباح الذي توضأ بشمس أندلس، ولستُ أشبه بالمغرب؛ من أشبه، إذاً؟!. أشبه كوردياً يحب فاسية. معها سأدخل في محاريب جامع القرويين، وسأخشع في حواريها، أخشع لصوت الماضي وطلابه، وهم يدخلون المقام، معهم كراريسهم المتشحة بالنعناع وزيت الأركادن وبضعة سنتميرات من هزة الرأس، وهم يسمعون مايقوله سيدي محمد المعلم.

في الشرفات القديمة، تستكين النبتاتُ، والسجاد، ورائحة الثوم ورائحة الغموض، والشيء القليل من أنفاس إبن عربي، سيدي الكبير، الذي ينام في الشام. ويستكين معه الطائر: طائر الحب المذبوح.

كان ياماكان.

يهطل الثلج في السويد. ويمر على أشجار شرفة جليل حيدر، وشرفة وليد هرمز، وشرفة مولانا خالد بابان، ثلج يجعل الأصابع تنشف، وتتخدر من أجل الحب؛ حب ينهمر في أزقة فاس القديمة.

مامعنى أن تكون مدهوشاً؟.

مامعنى أن تكون الألوان هكذا بعيدة عن بعضها البعض على المآذن؟.

الأقواس هي محنة الهندسة، وهي محنة الآجر المشوي النائم في القيشان القديم؛ جاء البناؤون المهرة، فبنوا عامودا، ثم بنوا المشاهد الخفية/ هناك، في خيال بارام ـ بارام العصي على حواري فاس، تلك التي مشيتُ فيها ومعي بضعة أسطر من إبنة المدينة. حجر كثيف معقد قديم شاف مهمل، في حواريه، يسيل كل عام مهرجان عالمي للأغنية الصوفية، سأمر بالساحة القديمة، متعبداً، وسأسمع أصوات المنشدين، وهم ينشدون بحناجرهم الذهبية، لله، سأسمع، أيضاً، صوت الأزميل، وهو يطرق على الرخام، إسماً لم أعرفه: مَمَدْ.

في سوق الدباغين، يمر الماءُ الأسود، في مجرى نحيف، الفقر النحيف لصبغ الثياب القديمة، وبلون واحد منتوج طبيعياً: الصبغ الأسود الكامد، تمر فيه الألبسة الفقيرة الشاحبة، فتلتمع من جديد، ويمر الماء الأسود بين يدي الصنائع المهرة العجولين المتوترين والخائفين من الظهيرة والجوع والقماش، وهم يراقبون شاعراً كوردياً، ومعه شاعرة فاسية، يرفعان من بعض ألمهما الأسود، نحو الحواري والأزقة الرؤوفة، الضائعة في التاريخ، هي سوق منغلقة على نفسها وروحها، لايعرف متاهاتها، إلا إبنتها، التي ظلت مشدوهة إلى ضيفها الغريب، وهو يمازح صاحب المتجر القريب، حيث ستشتري له قفطاناً مغربياً، فألبسه في الشارع، وستمر أمامي الحمير والبغال، وسأضحك معها، هي تلك الكائنات النورانية الصبورة.

سأعطش في السوق، في سوق فاس القديمة، التي لها رائحة الشعر والأنبياء والرحلة التي قطعها إبن بطوطة، والرحلة الصعبة من الشعر حتى الشعر.

ـ أين تقع فاس؟.

ـ أين تقع عامودا؟.

و

كان ياماكان.

في الظهيرة، بل ما قبل الظهيرة، في سوق مارشيه، التي بناها الفرنسيون؛ السوق الدائري الحار، في توزيعه: التوابل، الزيتون، باقات النعناع والبقدونس، الخضار، العصافير المختصرة في الأقفاص وهي تزقزق مثل عواء، الأسماك التي ترتطم بذاكرة محمد شكري، وأحمد بركات، الشاعر المغربي الذي أحببته، ثم توفي قبلي، قبل سنوات، تأتي السلال من الخوص، والبلح والزبيب والزعفران والنبتة الصافية للشاي، ويأتي الثوم الأخضر، وتلك النبرة الشجية من البائعين لغريب، لايجيد اللهجة المغربية، فيرتبك، أمام البائعين، ويحن إلى بارام.

هم، هؤلاء الباعة في سوق مارشيه، أخوال بارام.

يتحدث معي صاحب الطيور، في السوق، عن الشعر، وعن طيوره التي ستذبح للمشترين، عن الدم وعن القمح وعن حبه لطيوره المستكينة في الأقفاص، يرش لها الحَبَّ والحُبَّ؛ لكنه سيذبحها بسكينه ـ الشفرة. أشتري منه طيراً غريباً، اسمه الحجل، آخذه إلى بيت الشاعرة لطيفة المسكينة، أهتم به مثل طير متآلف، أقترب منه، فلايقترب مني، أقترب منه، فيسقط من الطابق الثاني، ليدخل المطعم. يساعدني عمال وعاملات المطعم، في الامساك به، فنمسكه، يأتي الطائر ثانية إلى البيت، ويظل يذرق طيلة الوقت على قلقي، وهو يراقبني، ويفكر بهذا الغريب الذي يحبه.

هذا الطائر هو، أيضاً، خال بارام.

ـ هل تشرب القهوة؟.

أشرب القهوة مع صاحب الطائر، في مارشيه. وهو يتحدث لي عن السكاكين، والزهور والأسماك والاستعمار والقرنفل وتلك الجميلة التي مرت أمامنا، وعن طيري الذي اشتريته منه، يعطيني قمحاً له، آكل منه قليلاً، في الطريق إلى عامودا؛ أطحنه بالحب، وأمضغه، وآكل القمح القاسي الناشف النحيف.

كان ياماكان.

يغني هذا في الطريق من غوتنبورغ، إلى فاس.

رأسها على كتفي، ساكتة، هادئة، وديعة، في طائرة لوفتهانزا، من غوتنبورغ، إلى فرانكفورت.

تهتز الطائرة العملاقة. سنصل في اليوم الثاني إلى كازبلانكا.

أمن تذكر جيران بذي سلم     أم مزجت دمعاً جرى من مقلتي بدمي

شعرٌ متصوف، وفي حضرة سيدي أحمد التيجاني، سأكون مع حفيده، الشيخ. أنا إبن الشيخ الكبير: بافي كال. نلتقي، فنتحدث عن مرسول الحب، وعن الطقس في السويد وعن حلقة الذكر التي أحبها، ولن أحضرها، أمرر بيدي الخشنتين على ضريح هذا السيد الكبير، بل على السور الحديد، أكون في حضرته.

***

يهطل الثلج بغزارة.

ويعود مرسول الحب، إلى البخار الذي يفور من الأحصنة القلقة، من طائرة لوفتهانزا، التي ترقد في المطار، في انتظار الكائن الغريب.

كان ياماكان. وكانتْ بوكا مالا بافي كال، الفاسية.

 

شتاء غوتنبورغ، 2009

 

hajalnama@hotmail.com

 

 

تيريز .نت غرافيك وإخراج

 خليل عبدالقادر

kalilart@hotmail.de