tirej
@tirej.net
 



الأمير شرفخان البدليسي

 

في بيان أحوال الفقير الحقير، المكسور الجناح، من يوم ميلاده، حتى الآن

الذي هو سنة خمس وألف من الهجرة النبوية

 

(مرآة شرفخان)

 

 

لايخفى على أرباب الفضل والكال، وأصحاب العلم والإفضال، أن الغرض من هذا التمهيد، والقصد من هذا البسط والمقدمة، هو شرح حال هذا الفقير المهيض الجناح، من يوم ولادته، حتى مصيره الآن المختتم بالخير والسعادة، فأقول على وجه الإجمال، إن والدي العظيم حينما غادر الوطن المألوف، وجلا عن مسكنه المعروف تحت ضغط الظروف والحوادث، حسبما جرت به المقادير، وحط رحاله في ديار العجم، فقد عقد خطبته على والدة هذا الضعيف، وهي كريمة "أمير خان موصلو" الذي هو إبن كلابى بك، إبن أمير بك الشهير بتوقات بايندوري، حيث كان في عهد سلطنة حسن بك البايندوري، من أجلة الحكام العظام، وعمدة الأمراء الفخام، فظهرت منه أعمال بطولة خالدة، وآيات شجاعة نادرة في الحربين اللتين قام بهما حسن بك مع السلطان أبي سعيد كوركان في قراباغ أولاً، ومع السلطان محمد خان الغازي في صحراء بايبورت، مما جعل حسين بك يعهد حكومة "أرزنجان" وملحقاتها إليه، حيث لاتزال آثاره الخيرية ومبراته الكثيرة من مساجد، ومدارس ماثلة للعيان في قصبة أرزنجان. وخلاصة القول أنه بعد رحلة وهجرة والدي إلى تلك الديار بسبع سنوات، قد ولد هذا الضعيف الحقير، قليل الحظ والمقدار من كريمة أمير خان في قصبة "كرهرود" من أعمال قم العراق، في تاريخ العشرين من ذي الحجة سنة 949هـ/1543م الموافقة لتوشقات ييل. وكان مسقط رأسي في منازل قضاة كرهرود الذين يصل نسبهم العالي للقاضي شريح الكوفي الشهير بين العلماء والفضلاء بعلو الشأن وسمو المكانة؛ إذ لاتزال تتخرج من هذه الأسرة الكريمة من يوم نزوحها من الكوفة، إلى هذه الديار جماعةٌ كبيرةٌ من العلماء والفضلاء في كل زمان ومكان. فمن بركات هذه الأسرة العالية، وآثارها المباركة، أن وفقني الله إلى مخالطة العلماء العاملين، ومجالسة الفضلاء الكاملين، من يوم صباي حتى الآن الذي بلغت فيه الخمسين، وتجاوزتها إلى حدود الستين، بحيث لم أتخلَّ قط عن ملازمة هؤلاء العلماء الأفاضل والرجال الأكارم. هذا ولما كانت العادات الطيبة، والتقاليد الحسنة التي كان المغفور له الشاه طهماسب يجري عليها، ويتبعها سنّةً حسنةً، أن يعمدَ إلى أولاد أمرائه، وأنجال قواده، وهم أطفال صغار، فيدخلهم في حريمه الخاص، ليكونوا مع أولاده الأمراء، وأنجاله الكرام، فيتربوا تربية واحدة، ويرعوا رعاية خاصة تحت كنفه السامي، وعنايته الشريفة؛ حيث كانوا يدرسون القرآن والفقه والأحكام الشرعية، ويحرصون على التمسك بالتقوى وطهارة البدن والروح، ومجالسة الرجال الصالحين المتقين، والأمناء الأخيار الزاهدين، ويجنبهم الاختلاط بالأشرار الفاسدين، والفسقة المستهترين. وكان يَكِلُ إليهم خدمة العلماء والفضلاء الذين يردون على بلاطه العظيم. ولمّا يبلغون سن الرشد والتمييز، كانوا يُكلّفون بالتدريب على الفنون العسكرية، من رماية وفروسية، واللعب بالصولجان وركوب الخيل، وغيرها من القواعد الحربيية والآداب الإنسانية، وكان رحمه الله أحياناً يقول: يجب عليكم أن تعنوا بتعليم فن الرسم والنقش أيضاً، حتى يرقَّ ذوقكم، ويستقيم طبعكم، وتتفتح مواهبكم، وتظهر سليقتكم.

حينما بلغتُ التاسعة من العمر، أدخلت في شهور سنة ثمان وخمسين وتسعمائة 958هـ ـ 1552م في الحرم الخاص، وتشرفتُ بمحفل الإختصاص، فلبثت بين أسرة ذلك الشاه العظيم الشأن والخلق، والملك العادل اللبق، منخرطاً في سلك خدمه الخاص، حتى إذا استقال والدي المخدوم في سنة 961هـ ـ 1555م عن ملازمة بلاط الشاه الكبير، واختار العزلة والانزواء، بادرتْ عشيرةُ الزوركي بالاتفاق إلى رفع التماس إلى الشاه طهماسب، بإسناد الحكومة إلى هذا الفقير الضعيف، فصدر أمره الشاهاني حسب الالتماس بتشريفي بمنصب الإمارة، وأنا في سن الثانية عشرة من العمر، حيث أنعم عليّ بإقليمي "ساليان، ومحمود آباد" من أعمال شيروان. فبعد أن أمضيتُ ثلاثَ سنوات قائماً بأمر الحكومة في الإقليمين المذكورين، حيث توفي إلى رحمة الله الشيخ أمير البلباسي، الذي كان وكيل هذا الفقير ورائده (لاله)، نزعوا إقليم ساليان عن حكمي وإدارتي. فبادرت إلى الالتحاق ببلاط الشاه، وهو في مصيف وهضبة "حرقان"، فعهدوا بي إلى عناية خالي "محمدي بك" حاكم همذان الذي كان مثل أبي. وقد بادر هذا الجناب العالي إلى إدخال هذا الضعيف ضمن أولاده النجباء، وعقد خطبتي على ابنته الكريمة.

وأما الشاه طهماسب، فقد تعطف، وعين لي معاشاً ومخصصات لأمور إدارة عشيرة الروزكي من جهة "همذان". وهكذا أمضينا ثلاث سنوات في هذه البلدة، حيث ظهرت واقعة التجاء السلطان بايزيد إلى بلاط الشاه طهماسب، وحادث القبض عليه، وتردد الرسل والرسائل من بلاد الروم؛ الأمر الذي حدا بالشاه لإحضار وإتيان والدي مرة أخرى إلى "قزوين" وتفويض إمارة الروزكية إليه، وإقطاع إقليم كرهرود من أقاليم قم إليه، وإرساله إلى تلك الجهات.

وبعد بضع سنين، سئم والدي المرحوم متاعب الإمارة التي لم تكن وفق مرامه وبغيته، فالتمس من الشاه إعفاءه منها. وقد أعادها إليّ مرة أخرى، فعين وظائفها ومواجبها من مالية "أصفهان" على أن يلبثَ الفقير في ملازمة ركابه بقزوين، حيث لم أفارقه سنتين متواليتين قط. حتى إذا ما تعلقت الإرادة الإلهية بوقوع خان أحمد كيلاني والي "بيه" في الأسر، فحمل ذلك الشاه المرحوم على تسخير ولاية الخان المشار إليه نهائياً، وندب الفقير هذا مع بعض من أمراء القزلباش للقيام بهذه المهمة، وذلك لأن أكثر القواد القزلباش لم يكونوا يقومون بالعمل حسب مايهواه ويتمناه الشاه المرحوم من توخي العدل والمساواة بين الرعية؛ بل إنهم غالباً كانوا يمضون في الجور والتعدي على أهالي تلك البلاد، بخلاف هذا الضعيف الذي لم يكن له مطمح سوى رضاء الخالق والخلق. وإجراء العدل مهما كانت الظروف. ولقد قمت بتوزيع العدل والنصفة بين رعايا وسكان ذلك الإقليم بالقسطاس المستقيم، متوخياً في ذلك رضاء الشاه أيضاً، حتى إنه رحمه الله أرسل مراراً بصحبة مندوبين أوامره الشريفة يبدي فيها سروره ورضاءه عني، قائلاً فيها إن عدلك المطلق وشهامتك النادرة وشجاعتك الفائقة وحبك للرعية والناس أجمعين، قد تجلّت لدى نفوس رجالي ونوابي في جميع أنحاء المملكة، فبيض الله وجهك في الدارين. خلاصة القول أن التوفيق في الأمور قد وصل بي بفضل رضاء ذلك السلطان العادل، ودعائه المستجاب، إلى أن انتصر انتصاراً باهراً في الحرب التي جرت معاركها بين جيشي الذي كان لايزيد عدده من الفرسان والمشاة عن أربعمائة وخمسين نفراً، وبين جيش من يُدعى سلطان هاشم، الذي كان قد نصبته أهالي كيلان من أولاد سلاطين ذلك الإقليم، سلطاناً لهم، فكان يبلغ تعداد جيشه ثمانية عشر ألف فارس وراجل. فلقد مات من الكيلانيين في ساحة الوغى زهاء ألف وثمانمائة نفر، بحيث قامت من رؤوسهم ثلاثة مآذن. وبغض النظر عن هذا العمل الظاهر الباهر، فإن هذا الضعيف، قد حصل على فيوضات رحمانية، وفتوحات غيبية لاريبية، عادت عليه طيلة حياته باليمْن والبركة.

هذا ونظراً لعفونة هواء "كيلان" وانتشار الأمراض المتوطنة الكثيرة دائما من جراء ذلك؛ الأمر الذي قضى على أكثر رجال عشيرتي الروزكية المدربين المجربين، فقد خطر لي العمل على الرحيل من هذا الإقليم الموبوء في أقرب فرصة. ولما رفعتُ حقيقة الأمر، وما أبتغيه إلى سدة الحضرة الشاهية العليا، فقد سمح لي رحمه الله بالعودة، بعد أن أمضيتُ سبع سنوات في ذلك الإقليم، إلى "قزوين" لملازمة السدة السنية حسب أمره السامي؛ غير أن أحوال القزلباش لم تكن كالسابق على شيء من الانتظام والاتفاق، بل الخلاف والشقاق بين الزعماء والقواد كان على أشده. فكانت العشائر والأويماقات القزلباشية في نضال دائم ودسّ مستديم. وكان الشاه المرحوم نظراً لما وصل إليه من سن الشيخوخة وضعف القوى، عاجزاً عن ضبطهم، و