tirej
@tirej.net
 




عبد الطيف خطاب                         طه خليل

 

طه خليل

 الغرنوق الذي كان على الفرات

 

 

قبل يوم او يومين من رحيله كنت وخليل عبدالقادر على التشات ، فسألني فجأة : قل لي ما معنى الغرنوق الدنف ؟ فتحدثنا عن الغرانيق وعن الذي سمى نفسه الغرنوق واعني عبداللطيف خطاب .

الغرنوق طائر مائي يطير في مجموعات ويحط معا، لا ينام الا على رجل واحدة من شدة حذره، وحين يخلد الى النوم يظل احد الغرانيق مستيقظا للحراسة لا ينام قط حتى اذا ما داهمهم خطر ما اخبر الجميع بصوته فيوقظ اترابه لتلوذ بالطيران ،والحارس يقف على رجل واحدة حتى اذا ما داهمه النوم تسقط رجله المرفوعة على الارض فيستيقظ  .

وقد اشتهر عبداللطيف بهذا الاسم بعد ان كتب قصيدة بالعنوان نفسه، والدنف لغة هو الحزن او شدة الكمد .

لقد مات الغرنوق الدنف عبداللطيف اذن ( بكسر الألف ) كما ناقش هذه المسألة يوما مع احد ( الدكاترة في جامعة حلب ) والذي اراد ان يصححها له بأنها مفتوحة الالف فأصر الشاعر عبداللطيف على الكسر وقرأها ( ايذن ) رغم انف القواعد.

تعرفت عليه في منتصف الثمانينات في حلب ، كان هو ومجموعة من الشعراء والكتاب ايام الملتقى الادبي لجامعة حلب ، وكان منهم محمد فؤاد، بسام حسين، حسين بن حمزة احمد عمر عبدالحليم يوسف ، مها بكر، نجم الدين السمان صالح دياب ، مها حسن ، مروان علي ,وآخرون وأخريات ، كان فيهم القريب من القلب ومنهم من نسينا بعضنا ومنهم كان جادا وقورا مثقلا باللغة وتعاريجها ، ومنهم من كتب الشعر لفترة ثم انزوى ، و منهم كان مستهترا مهوبرا  ظل ممتطيا صهوة الاستهتار الى يومنا . لم اكن من جامعة حلب ، لكنني وقتها استدعيت للخدمة العسكرية فتعرفت على الاجواء تلك .

من الذين بقي في ذاكرتي وروحي عبداللطيف خطاب ، حيث تكررت لقاءاتنا بعد ذلك في دمشق ، وتوطدت علاقة صداقة بيننا ، كان حين يأتي الى دمشق ويتعب من الجلوس في مقهى الروضة كنا نذهب الى غرفتي التي كنت استـاجرها في ذلك الوقت بباب توما ، قائلا لي بهدوء : " أخوي طه اريد اجيل ( من القيلولة ) ان لم أجيل سأتعب ." في الزيارات الاخيرة لدمشق صار يحدثني عن خطيبته التي احبها وخطبها ، كان يقول لي : سأدعوكم جميعا للعرس ، وهناك سنولم للشعوب المقهورة ، ويكمل بخليط من البدوية والعربية الفصحى الثقيلة كعادته : راح نجيب أكناف البعير ونحطو على الاثافي ، ونولم الثرود ، يا أخي والله انا محتار ، خايف هذولة جماعتك ( يقصد ابناء المدن ) يفظحوني ... احنا عشائر وما عندنا اجل (أكل ) على الموائد " ثم يضحك مجلجلا وهو يسمع صوت دلدار فلمز الذي كان يستأجر في نفس البيت غرفة ، ويسأله على الدوام : ها دلدار شنو اخبار الشعر والحداثة ، والله انت اهم شاعر بين الاكراد .

ذات مرة تعرف عبداللطيف على صديقتي الالمانية ، وراح يلقي عليها محاضرة ثقيلة عن الاستشراق وعن الادب الالماني ، وكلما ذكر اسما من الكتاب او الفلاسفة الالمان كانت الالمانية توسع حدقتيها مدهوشة به وبذاكرته ومعلوماته .حتى انها قالت لي : أتعرف هذا صديقك عبداللطيف يذكر اسماء كتاب المان لا يعرفهم في المانيا نفسها الا قلة من المتخصصين .

بعد ان سافرت الصديقة الى بلادها ،