tirej
@tirej.net
 



 

دستويفسكي وقتل الأب

زيغموند فرويد (1856-1939)

 

الترجمة عن الألمانية: كاميران حوج

 لنا التمييز في شخصية دستويفسكي بين أربعة ظواهر: الأديب، العصابي، الأخلاقي والآثم. وكيف يجد المرء سبيلا للخوض في هذا التعقيد.

      إن أقل ما يدعو للشك في هذه العقدة المبينة أعلاه، هو الأديب، فقد حجز دستويفسكي لنفسه مكانا غير بعيد عن شكسبير. فالاخوة كارامازوف هي الرواية الأعظم على مدى الدهر، ومرحلة المفتش الكبير أحد أعظم نتاجات الأدب العالمي. لكن على التحليل البدء قبل معضلة الأديب.

      الأقرب إلى نيران التحليل في شخصية دستويفسكي هي ظاهرة الأخلاقي. لن نتغاضى عن الشك إذا رفعنا دستويفسكي إلى منزلة الأخلاقي، بعلة أن من وصل أعلى مراتب الأخلاقية هو فقط من تمخض في أعمق الذنوب. إن الأخلاقي هو من يستجيب للمعاناة الداخلية دون أن يستسلم لها. أما من يأثم ثم يدعي في ندمه متطلبات أخلاقية، يؤخذ عليه أنه يكتفي بإراحة نفسه، أنه لم يقم بالجوهري في الأخلاق، أي التضحية، فنمط الحياة الأخلاقية مسألة إنسانية عملية. إنه يذكرنا بالبرابرة أثناء هجرات الشعوب، يقتلون ثم يقدمون القربان، حيث تغدو الكفارة تقنية مباشرة لتبرير القتل. ولم يكن سلوك إيفان الرهيب خلاف ذلك. نعم، إن هذا التوازن مع الأخلاق سمة الخُلق الروسي، فبعد الصراعات العنيفة، محاولةَ مصالحة متطلبات الفرد الغريزية مع متطلبات الجماعة الإنسانية، تراجع دستويفسكي نحو الخضوع للسلطتين الدينية والدنيوية، نحو الخشوع أمام القيصر والإله المسيحي، ونحو ضيق الأفق القومي الروسي. حالة تتوصل إليها النفوس الدنيا بقليل من الجهد، وهنا نقطة ضعف الشخصية الكبيرة. لقد فوت دستويفسكي فرصة أن يكون معلما ومحررا للبشرية ونادم سجانيها، وعلى هذا لن يشكره مستقبل الثقافة الإنسانية إلا قليلا. أغلب الظن أنه لعن بالفشل بسبب عصابيته. فنظرا إلى سمو ذكائه، ونظرا إلى شدة حبه للإنسانية، كان دستويفسكي يستطيع شق سبيل آخر لحياته، سبيل الحواريين.

      إن اعتبار دستويفسكي مذنبا أو جانيا، يصطدم بمانعة شديدة، ليس فقط في التقييم المحافظ للجريمة، وللحال يتضح الباعث الحقيقي على هذا. السمتان الجوهريتان للمجرم هما البحث اللامحدود عن الذات وميول التخريب المتفشية، وجودهما معا وشرط بدوِّهما هو اللاحب وتدني تقدير القيمة الوجدانية للموضوعة (الإنسانية). هنا، عند دستويفسكي، يتذكر المرء العكس تماما، بتذكر حاجته الشديدة إلى الحب وقدرته العظيمة على الحب، والتي تظهر بمظهر الطيبة المبالغ فيها وتدعه يحب ويساعد، حيث يكون له الحق في الحقد والانتقام، مثلا في علاقته بزوجته الأولى وخليلها. وهنا يحق التساؤل، كيف يمكن على الإطلاق تصنيف دستويفسكي في خانة الجناة. والجواب: إنه نسيج الأديب ما يميز الشخصية العنيفة، القاتلة والأنانية، وهناك بعض الوقائع من حياته تبرهن على هذه الميول المدمرة في داخله، كإدمانه القمار واحتمال الاعتداء الجنسي على فتاة قاصر (اعترافاتي) [1]. والتناقض فيما خلصنا إليه يأتي من حقيقة أن غريزة التدمير في دستويفسكي، والتي كانت لابد أن تدفعه على الجناية، وجِّهت أساسا ضد الذات (نحو الداخل عوض الخارج)، وتبدو على السطح في شكل مازوخية وشعور بالذنب. وشخصيته