tirej
@tirej.net
 





(مقدمة كتاب: الكتابة بالطباشير)

تحـذيـرٌ ومقـاربـة


بقلم: محمود أمين العالم

أيـها القارئ العزيز، حـذار أن تصدِّقَ عنوان هذا الكتـاب!  فكتابته لم تتم وتتحقّـق، كما يزعم عنوانُه، بالطباشيـر!  فهي ليسـت بالكتابـة السَّطحية التي يمكن أن تُمسـحَ أو تُنسى بمجرد مغادرتِها. بل هي بالحـق، وفي غير مغالاة، كتابـةٌ بالحفـر العميـق في حقائقَ وظواهـرِ تجاربنا الثقافية القومية والإنسانيّة، التراثيـّة والمعاصـرة عامـة، التي تظلُّ تتابعنـا وتلاحقـنا بعد قراءتهـا. ولهذا أرجو أن تتأهَّبَ في قراءتك لعمليتيْ هدمٍ وبناء- معرفيًّا وموقفًا في وقت واحد- حول العديد من همومنـا الثقافيـة والحياتيّـة السائدة والمهيمنة.

والحق أن قراءتي لفصول هذا الكتاب، على تنوّعها ووحدتهـا معًا، كانت لحظةً معرفيّةً حضاريّةً متنامية، تجمعُ بين تراثِ الماضي الإنسانيّ بعامة، وليس القوميَّ فحسب، وأزمةِ الحاضـر وجسارةِ استشرافِ المستقبل. فلقد وجدتني في حضرةِ كاتبةٍ على مستوى رفيعٍ من الامتلاك العميق الحيّ لثقافتنا العربيـة، لا من حيث لغتها رفيعة المستوى فحسب- وهذا أمر ندُرَ عند العديد من كتابنا- بل في تراثِها الإبداعيّ الفكريّ والأدبيّ والبلاغيّ كذلك، فضلا عن معرفتها وتمثّلها الجوانب المهمة من التراث الثقافي الإنسانيّ الغربي والشرقيّ على السواء، وبخاصةٍ في توجهاته وخبراته المتمردة والمتجاوزة للمفاهيم السُّلطويّة والأحاديّة والمركزيّة والإطلاقيّة  والغائيّة المفروضة. واستطاعت الكاتبةُ باقتدار أن توحّد في هذا بين أحدث الخبرات الإبداعية في مجال التعبير الأدبيّ من ناحية ومجال فـنِّ المعمـار الهندسيّ- وهو واحدٌ من تخصّصاتِها- من ناحية أخرى. هذا الفـنُّ الذي كان طليعةَ الاتجاه ما بعد الحداثيّ وملهمَه في الفنِّ والأدب على السواء، هذا فضلا عن استبصارها الحميم بالتداخل بين العِلْم من ناحية والفـنِّ والأدب من ناحية أخرى. إنها بحق محاولة جادّةٌ عميقة تكشف ما بين مختلف المنجزات والحقائق الإبداعية من تواصلٍ وتفاعل خلاّق. ولهذا تقول الشاعرة والمعمارية "فاطمة ناعوت" في فصل بديع من فصول كتابها هذا بعنوان "العمارةُ والشعر": " حين قرأتُ حواراتِ أفلاطونَ الأربعة لأول مرة، اندهشتُ كثيرا لأنني لاحظت أن آليةَ الحوار وتسلسَله خطوةً خطوة، وصولا إلى النتائج والنظريّات، تتطابق مع آليةِ تحقيق نظرياتِ الهندسة الفراغية ونظريات الجبر والمنطق الرياضيّ". على أن هذه الرؤية الكاشفة الحميمة بين مختلف المنجزات العلميّة والفنيّة والأدبية التي تتميّز بها هذه الكاتبة لا تقف في كتابِها هذا عند حدود العلاقة بين الحوار الأفلاطونيّ والنظرية الهندسيّة، وإنما نتبيّنها كذلك منهجًا عامًا في طرائق تناول العديد من القضايا وبخاصة معالجتها البالغة الخصوبة لقضيّة الترجمة في مقال "مرآة ابن رشد" على سبيل المثال. فالترجمة عندها ليست مجردَ نقلِ المخطوطاتِ والكتب من لغةٍ إلى لغة بل هي "العملُ على احتلالِ درجةٍ أرقى من درجاتِ العبور والاختراق كي تلجَ وتنهلَ من "الجوهر العميق" لروح حضارة أو فكر ما."، وتقول أيضًا: " وبإجراء قراءة سريعة للتاريخ، سوف نجد ارتباطًا، يكاد يكون شرطيًا، بين ازدهار  وُرقّي مجتمع وبين انتعاش حركة الترجمة فيه وتكريس مبدأ الاتصال الثقافي مع الحضارات الأخرى. ولنا في واقعنا العربي خير مثال. لم تنتعش ا&