|

مشق..إغراءُ الكاديلاك الحمراء وبردُ بائعة الكبريت.
هوزان شيخي
: أن تولد في مدينة نصف أهلها شعراء والنصف الآخر مجانين, أن تكبُرَ في مدينة صيفها قمح وشتاءها قطن أن تمر بمدينة عاهرةٍ ترتدي الحجارة البيضاء أن تعيش في مدينةٍ بطعم الليمون الحامض أن تزور بعد كل هذا دمشق، حينها فقط تُدركُ كم كانت مُدنكَ ناقصة.. دمشق الصدأ على وجه سائقي السيارات العمومية, شيخٌ يبيع النحاس وكاهنٌ من فضة, رجلٌ بقفازين من صوف وامرأة تخفي ثياباً داخلية على شرفتها.. دمشق أربعُ ملايين وجعٍ يومياً, أربعُ ملايين حلمٍ لا يكتمل.. عُرسٌ ,تطهيرٌ ,ولادةٌ وبكاء في العُتمة.. دمشق قصةُ حب في سرفيسٍ يصعد جبلاً بين شابٍ وفتاةٍ يدفعون لسائق يعيش على ذكرى البحر.. دمشق أضواءٌ لا تنقطع أصواتٌ لا تنقطع ألوانٌ أشخاصٌ زوارٌ سياحٌ -يتعلمون العربية- عجائزٌ أطفالٌ و همومٌ لا تنقطع.. دخلها زائرٌ من قلبِ صحراء الجزيرة العربية جاراً وراءه جيشاً واستقر فيها قال يومها " من كان له جيشٌ في مدينة فهو من أهلها".. دخلها فقيهٌ من شمال العراق فبنى فيها مسجداً في ركنٍ ما واستقر فيها قال يومها "من بنى مسجداً في مدينة فهو من أهلها".. دخلها شحاذٌ من مكان ما وجمعَ فيها ما يكفي من مالٍ ليستقر مع عائلته في بيتٍ من صفيح قال يومها "من نام مع زوجته تحت سقف من صفيح في مدينة فهو من أهلها".. وحين دخلت عاشقةٌ دمشق لأول مرةٍ رأت عاشقها في حضن أُخرى فاستقرت في أقصى حضنِ المدينة وقالت يومها "من انكسر في مدينةٍ بغير إرادته فهو من أهلها".. توافد إليها العُمال, السكارى, المؤلفة قلوبهم, أبناء السبيل, اللصوص, السفاحون, الملائكةُ, صيادو الأطفال, المرتزقة, المجانين, الرسامون المتخصصون بالظلال, بائعو الزهر, النُدُلُ, شيوخ القبائل, الشعراء, الحُراسُ, الشجرُ والحيواناتِ وصاروا من أهلها, دمشقُ القلبُ الأسودُ المفتوح على آخره, الواسعةُ كحذاء جدي ما ضاقت إلا على سكانها. دمشق -التي ما وضعت في يوم أحمر شفاهٍ ولا قارب الكحل جفنها- الأبهى بين خمس مدنٍ أغوتني, ناسُها ناسٌ مثلنا يسهرون ويتثاءبون وينامون لكنهم ناسٌ في دمشق, فيها "ختيارٌ" يُضحك سهرةً كاملة بنكت عن الجبهة وأكلة لحوم البشر, فيها أمٌ تتكلم كل صباح مع فرشاة الأسنان وتمضي إلى عملٍ لا تجده.. فيها سيارةُ كاديلاك حمراءٌ قديمةٌ مغريةٌ تشبهها أكثر من أختها وتحمل لوحتها برقم 107796.. دمشق عشوائيةٌ في الطرف الأبعد مزدحمةٌ في الوسط مستحيلةٌ في الطرف الآخر.. عانقها نصف أطفال الملاجئ فورّثوا اليتم لأولادهم, صلت لها نصفُ العاهرات فسرقنَّ من العشاق لذتهم الأولى, غطاها رجالُ الشرطةِ كحبةِ قمحٍ قد تكبرُ فصارت حقلاً وسقطوا منتحرين بغير إرادتهم, زرعها الآباء عنباً فضرِسنا ولم نبحث عن دكتورٍ للأسنان, هي دمشق اللغز الذي ما حله عَالِمٌ, والتعبُ الممتعُ حد التعبِ.. دمشق الشغفُ السائلُ, دماءٌ, خمرٌ يُسكبُ حتى يجري بردى, عطرٌ, بِصاقُ رجالٍ, شايٌ مُرٌّ يُثبتُ قاسيون, ماءٌ لا يروي عطشاً وقلوبٌ ذائبةٌ.. دمشقُ الحيرةُ في أوجها, خالةُ التوراةِ وعمةُ الإنجيل وعرابةُ القرآن التي لا تكتفي, إن قلت أنها مائلةٌ يساراً كنت على خطأ وإن قلت أنها مائلةٌ يميناً كنت على خطأ ولا تقبلُ أن تكون مستقيمة, عصيةُ التعريف, مُلحدةٌ كأمٍ ثكلى, ساخنةٌ كمدفئة في كانون, وباردةٌ كبائعةِ الكبريت.. هي لحسن الحظ أنثى تحتاجُ إلى استطرادٍ في الشرحِ, هي العميقة, الشاحبة, الرقيقة, البسيطة, المُخيفة, المُتغيرة, النقية, الهشة, اللذيذة, المُتلألئة, الواضحة, الغائمة, الكئيبة, البعيدة, السمائية, المائية, المُمددة أبداً, المُختَلِطَةُ بنفسِها, المُنقلِبةُ على نفسِها.. هي قاعُ البِئر من أعلى وذروة الجبل من أسفل.. حين زار القمر دمشق لأول مرة -كان قدماء أجدادنا صغاراً يومها- رأى في شحوبها صورته فاستقر في المدينة وقال "من شابهَ مدينةً فهو من أهلها", ثارت مدنُ الغربِ والشرق ثارت الشمس, ضلت النجومُ طريقها دون القمر وكادت السماء تسقط على غير دمشق, عاد القمر مُكرهاً إلى دورانه ولِحدةِ شوقه إلى صورته أرسل كل بناته -القمر لا ينجب إلا الإناث- ليستقروا فيها قال يومها بشيء من الحسرة "من نُفي عن صورته في مدينة أرسل كل ياسميناته إليها" صارت دمشق مأوى كل ياسمينة تبحث عن وجه أبيها القمر. دمشق الأغنيةُ الأكثر صخباً, القصيدةُ الأكثر تحريضاً للناقدِ, الصورةُ الأكثرُ حزناً والفيلم الذي لم يُسجل بعد, دمشق المشهدُ الممتعُ لشجارٍ من باريس بين شابٍ يغار على حبيبته وسائحٍ لم ينظر إلى حبيبة الشاب, دمشق المشهدُ المضحك لحبٍّ من نيويورك بين صيدليٍ وممثلةٍ مقعدة, دمشق الرقصة على غلافِ روما, دمشق الرحلة الليلية من موسكو.. دمشق خاصرةُ كُلِّ المدن خاصرةُ العالم. دمشق الغبارُ الذي ما زلنا نظنهُ ذهباً, الحنين إلى العيش والضياعُ الأكثر كمالاً.. دمشق الفصلُ في الحياة من زارها ورحل سيدرك النقص في حياته, من زارها وبقي سيدرك نقص حياته ومن لم يزرها لن نراهُ في القيامة.. دمشق أصلُ القيامة
عن موقع جدار
|