أنا ولوحتي، أسيرا فضاء مترع بأطياب البراري.

 بشــار العـيسى

" لم يكن" تويو" رساما عاديا ـ تقول الحكاية الصينية ـ كان فنانا غير عادي، كان فنه يتملك روحه بشغف.. يقضي وقته وهو يرسم.... لم يشاهد إلا وهو يرسم. لم يكن يشغله عن الرسم شيء....
كان يرسم كل يوم كل لحظة وجوها...
في إحدى الليالي، كان تويو يرسم وجها كعادته... وكانت الليلة عاصفة، حين قرع أحدهم الباب، تمتم" تو يو": أي شيطان قذفك إلي في هذه العاصفة، من تكون؟ أنا الموت، أجاب الصوت: أتيت لأقبض روحك.
عليك اللعنة قال " تو يو"، انتظر لحين أنتهي من هذه اللوحة وأدار ظهره للموت وتابع يرسم بهدوئه المعتاد.
نفذ صبر الموت وهو يستعجله: ليس من اللائق أن يستأخرني رب السموات.
رد تو يو بهدوء: لا تقلق ألا ترى أنني لم أنته بعد من رسم هذه الصبية الجميلة؟ اذهب إلى ملك السموات وقل له ... أن يصبر.
أثار كلامه فضول ملك الموت، فاقترب ينظر ماذا يرسم... استشعر ملك الموت قشعريرة رعد تسري في جسده الهيولي كانت الفتاة تبتسم بصمت بوجه جميل لم ير مثله قط.
تسلل الموت على رؤوس أصابعه إلى خارج الكوخ تاركا تو يو ينهي رسم ابتسامة الفتاة الجميلة.
حدث هذا الأمر مرة واحدة، انهزم الموت أمام إصرار الرسام.
منذ أن سمعت هذه الحكاية، أتذكرها كلما هممت بالرسم وتضيء وحشتي الدائمة ابتسامة تشبه لمعة تطارد الموت.
ككل أطفال الأرياف النائية الذين يملكون كما من اللاشيء، كنت، وما زلت، أحلم بالمفقود من الأشياء، وأهرب بأحلامي إلى متخيل جميل. كنت أتوصل بأحلامي تلك، امتلاك قدرات تستقيم ومخيلتي المنفلتة مثل عصفور مطارد

.
لا أدري متى بدأت الرسم، لكني رأيتني أرسم. وصار الرسم واحدا من ملاجئي التي أخبيء فيها أحلامي، لم ارسم التزاما بواجب مدرسي بل لامتلاك قدرة و لصياغة فاتنة وظاهرة لأحلامي. كنت ولا زلت أستولد بالمخيلة عوالم وقدرات أداري بها قلقي.
حين أصبح الرسم لي ظلا أتفيأه تداخلت مخيلتي والرسم في صياغات افتراضية، تعين على امتلاك المفقود من الأشياء الجميلة، أو قنص الرغبات في تفجرها. صار الرسم وسيلة للحياة.
منذ البدايات كانت لوحتي، عالما مستقلا أهرب إليه من خجلي و من اليومي، لأدخل حكايتي الخاصة التي لا ترتقي إلا إلى صياغة قدرة تشبه البطولة بما استطعت اكتسابه بالمران الذاتي بأدواتي البسيطة، منذ اليوم الذي انتهت اللوحة أن تكون رسما لسيارة علقها معلمي في الصف الثاني وسط دهشة رفقائي في الغرفة ذات الستة صفوف لخمسين طالبا تكوموا في فسحة طينية متهالكة وسط الغبار والطين.
بالمران، صار همي الدائم كيف أتفادى السقوط في العادي، بالطريقة التي ابني فضاء لوحتي، أين وكيف أثبت حدود هذا العالم الصغير والفسيح الذي يتبدى من فسحة باب منزلنا بواجهته الغربية حيث يتبدى خط الأفق بحضور بهي، كسيد طاغ يتجلى بخيلاء على تلال وسهوب وقرىً، حاله كحال جبال طوروس حارس خاصرتنا الشمالية.
البدايات
كانت البدايات كلاسي