هفال حسو

 

عن العطر

(رواية العطر لباتريك زوسكيند)

 

 ماذا قد يعني أن يكتشف أعظم شمام في الدنيا أن لا رائحة له؟! هل قد يعني هذا أن يكتشف أعظم المحاربين أنه لم يمتلك حصانا قط.

أما أن يأتي هذا الاكتشاف بعد أن ظن الشمام أن لم يعد ما يُشَم!

كأن نقول أن يأتي هذا الاكتشاف بعد انتهاء الفارس من معاركه قاطبة وفجأة ... تصوروا لم يكن عندي حصان، كل هذه المعارك ولم يكن لدي حصان. فهل أنا مرتزق ... مجرد مرتزق، أعطوه حصانا و ... هيا إلى القتال ... إلا خسئتم ... سأبدأ الآن معركتي الخاصة وسأجلب حصاني – الحصان الذي سيليق بفارس من حجمي، من قامتي ... يا أقزام ... – والفارس يعلم أنه سرعان ما سيمل الانتصارات بعد الحصول على حصانه المرجو ... لكنه سيحصل على حصانه من كل بد. كان على جان بابتيست غرينوي أن يحصل على عطره. 

معارك الفرسان تجري بين جماعات ... بين بشر ... بين اثنين على الأقل ... ويصبح الاحتكاك والتعارف إلى الناس أمرا ضروريا ... ليس ضروريا لكنه يحدث.

جان بابتيست غرينوي لم يكن لديه لا القدرة  ولا الرغبة على الاحتكاك بالبشر إلا عند الضرورة والقصوى ... حتى عند هذه الضرورة والقصوى، هو مستغن، لكنه احتاج ثمانية عشرة سنة حتى يتحرر من البشر ... حتى يشتري حريته بعمل متواصل لا يستطيعه سوى البغال أو الفيلة ... جان بابتيست غرينوي الراغب في العطر لا يستطيع أن يذهب إلى فتاة ويقول لها: سيدتي أحتاج إلى عطرك.

فهو يعرف كم هذه الفتاة مقرفة ... حسنا لا يعرف كم هذه الفتاة مقرفة، الحقيقة الفتاة ليست مقرفة بالمرة ... لكنه لا يذهب ... لا يستطيع أن يذهب ... حسنا يستطيع لكنه لن يذهب ... حسنا يذهب لكنه لا يطلب. إنه يأخذ ... جان بابتيست يأخذ ... عليه أن يأخذ. أما كان قد اشترى ثمانية عشرة سنة من البقاء على قيد الحياة ... فقط عدم الموت ... بعمل يكفي لأي عديم موهبة كي يصبح غنيا كالعجوز البريطانية ... بل أغنى.

جان بابتيست أعظم من صُوِّر على الورق، لا يستطيع أن يلجأ إلى ألاعيب "بتشورين" الصبيانية. لا. ولا إلى مياعة "راسكولنيوف".

لا أعرف كيف استنتج السيد سوزكيند أن جان بابتيست غرينوي لم يعط العالم سوى برازه؟! أما أكله متسولو باريس؟ أما كان عشاءا مجانيا ... أما كان عشاءا ربانيا؟

هل كان على عاشقة الموت الشمطاء أو الدباغ المتبغّل أو ممتهن العطارة اللص أو ... حتى القطة آكلة أولادها التي ولدته ... هل كان يجب أن يغتني هؤلاء على قفاه حتى يكون قد أعطى شيئا لهذا العالم الذي منح رائحة البراز لكل البشر إلاه لا شريك له: جان بابتيست غرينوي.

هل خشي السيد زوسكيند متسولي الأدب أن يأكلوه حتى نعت جان بابتيست بالسافل والنابليون والـ"دي ساد" والقاتل. القاتل! هناك فرق بين المقاتل والمحارب. شتان. موسى قتل المصري ومحمد بن عبد الله قتل. هل كانا قاتلين؟ ... لا ... كانا محاربين. القاتل يقتل للقتل أو لمكاسب صغيرة. يكفي جان بابتيست بأنه أخرج من نتن العالم أعظم العطور.

جان بابتيست في أسوأ الأحوال يستحق الشفقة فحسب.

فالعالم رغم كل شيئ يستحق أن يعاش.

آه يا صديق المسكين ... ماذا فعلت بنفسك.

لم لم تظفر بقبلة من لور.

 

 




www.tirej.net


السياسة

 

دراسات  

 

مقالات  

 

حوارات  

 

الأدب

 

الشعر  

 

القص   

 

الرواية  

 

المسرح  

 

النقد   

 
الترجمة  

 

الفن

 

التشكيل  

 

السينما  

 

الثقافة

 

المجتمع  

 

التراث  

 

الادب الشفاهي

 

الملفات

 

شخصية  

 

قضية  

 

صحافة وإعلام

  

كتب  

 

مواقع أخرى  

 

الموسيقا الكردية  

 
القسم الكردي 
 

 الأرشيف  

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006