القاص حمودي عبد محسن في تنبؤات كاسندرا

يقترب من متاهات التاريخ ليكشف ظنون غائية الوجود

حكيم نديم الداوودي

نبدأ سبر أغوار عالم القاص حمودي عبد محسن من خلال مجموعته القصصية الجديدة تنبؤات كاسندرا بمتعة الدهشة والتأمل بمقولة سونيكا أن مهمة الأدب – ليست إثارة الغبار بل مهمته أطلاق الوعي، وتلك المقولة لم تكن مقولة مجانية بل طرحت كفكرة لتحرير الوعي الأنساني، هذا الأمر الذي يحدث عبر فعل الكتابة ذلك الفعل الذي يتجاوز صخب الكلمات الى عمق الدلالات- والتي أستشهد بها يسرى عبدالله عند محاولة البلوغ وبطريقة محزنة من عالم محمد صلاح القصصي. فصاحب تنبؤات كاسندرا عبر أيضاً من خلال مجموعته الجديدة عن سر تعلقه لجلجامش عبر ملحمته المسكونة بالرعب وأقتحام الصعاب من أجل نبتة الخلود. هذا الهاجس الذي كان وما يزال يرواد مخيلة كل كائن حي، وهو لسان حال كل من يتحرر من ظلمة الرحم لحين بلوغة حافة الرمق الأخير فيظل ينازع الرحيل كي ينهي عناقه مع الحياة. وبدءا من قصة الثور السماوي وانتهاءاً بقصة كابوس الموت يتراوح حمودي في تنقلاته من أجل فهم  أعمق فلسفة الوجود، ولماذا يكون قهر الأنسان حتمية بالموت الآني، ويعجز أمامه العقل وتصمت الأدلة العملية وكل التبريرات الأخرى وهو يرنو بسكون لكل الأجهزة المستنفرة من أجل القلب وكيف تتباطئ ويتأمل  لحظته لتعب جلجامش وصراعه مع الزمن وهو في الحقيقة يجهل نفسه من أين جاء وأين سوف يأخذه القدر. في قصة الثور السماوي وبخطفة موحية الدلالة نحو بعض الأسرار والوله ينقلنا  القاص حمودي وعبر نبضات التوتر الشديد-فجأة أكتشفت أمام ناظري مشهداً خالداً ، تلقيته من خبرتي في قراءة ملحمة جلجامش ، ليس كمتفرح لإستعراض أو أحتفال طقوس، بل مشارك على نحو فعال، أحتفظت به في ذاكرتي دون أرادتي، كأنه شيئاَ لأفهمه، أو يطالبني أن أفهمه كي أنتمي الى شيء من الماضي – زمان أوروك- بالطبع تطلب مني ذلك نشاطاً عقلياً، لأنه في مواجهتي مباشرة، ولأكون أكثر إشراقاً في مشاركتي له، ومرتبطاً وثيقاً به، ليعطيني مساحة حرة أملأها بنفسي- الثور السماوي ، جسمٌ ولحمٌ ودمٌ وفروةٌ سوداء، له أعضاءٌ من أطراف، ورأسٌ فهو كالثور له لسن ، وعينان ، وأذنان، وقرنان، وذيل، وله جسمٌ لا كأجسام الثيران، ولحمٌ لا كلحم الثيران، ودمٌ لا كدّم الثيران، وكذلك كبر قرنية ووزنه وضخامته فهو فريد يستعرض – تراجيديا السّماء-  ويؤكد حمودي في منتصف حدث الثور السماوي، بأنه رمز للجفاف وأنحباس الماء ورمز القوة أو الخصب وعلاقته بالألوهية المؤنثة، فتبدت منه الأم الكبرى وهو صفة ملازمة على الأرض للاله دموزي- تموز كما ورد في مناحة عشتار – اليك يا ثوري البري الذي في القفر، ويا حلمي الذي في القفر ،أتوجه بصلاتي-

ينهي القاص موضوع ذلك الثور السماوي بعودة جلجلمش مع صديقه أنكيدو الى أوروك من غابة الأرز بعد قتلهما لخمبابا حارس الغابة، وأوروك تلك المدينة السومرية ووفق تحليل د. شاكر الحاج مخلف شهدت ولادة عدة أساطير وملاحم ومن بينها ملحمة جلجامش التي عثر على ألواحها مطمورة تحت أنقاض قصر الملك الآشوري " أشور بنيبال " بعد تدميره اثر الهجوم الكاسح الذي تعرض له على أيدي الكلدانيين وذلك في العام 612 ق . م، فحاولت الالهة عشتار من طرفها أن تغوي جلجامس ولم تفلح من إقناع جلجامس بالعودة اليها لتقريع جلجامس لها بتعدد خيانتها له. فيشير د. شاكر في بحثه رؤية جديدة للأسطورة السومرية الى رد فعل الالهة عشتار بأطلاقها للثور السماوي في مدينة أوروك  ليُسّبب فيها كل تلك الكوارث والفساد وبعد تمكن أنكيدو وجلجامس من صرع الثور السماوي وتقديم قلبه كهدية للالهة شمس ومن ثم إنتظارهما لقرار مجمع الموت بإختيار أحد منهما وبعد سيطرة الحزن على أنكيدو على مآل الموت المحتم وإلتماس جلجامش من أوتنابشتم رمز الخلود كي يُعينه على العثور على سِر عشبة الخلود. على مدار قصة الثور السماوي تلك ومن خلال حيوية عقدة القص نجد أنفعال الراوي من هول الفاجعة ومنهياً معه تلك التراجيدية بأن – مقتل الثور السماوي لم يكن متعة أوبهجة لذاته بل ترابط موفق بين الواقع المُر الذي يعيشه البشر وهو يُقتل نفسياً وفقراً لآلاف المرات دون إنتباه من رعاة الثيران في السياسة وما يسمونه بضمان الأغلبية وبين صدمة جلجاش الأسطوري لموت أنكيدوا في مدينة أوروك السومريةالخالدة.

 في ظل مومياء توت عنخ آمون حناجر الموتى تهتف عاش فرعون وعاشت مصر الجديدة    

تحت سريدية الحدث الذي أرخ لعنخ امون نكون وعبر صفحاتها الخمس لقصة عملاق مصرعنخ توت آمون، وكأنما هي للوهلة الأولى نكون في مواجهة تابوت آمون الذهبي. حمودي في قصته تلك ينزل لقاع الحدث البعيد والى بدايات عام 1332 ق. م. وهذه المرة نجده من موقع المؤرخ الحصيف المحايد وعبر أدوات تعبيره القصصي وكأنه يريد أن يدّون وعلى لسانهم واقعة عرش ذلك الحُكم المفضي الى النَسْيان وطبيعة تلك الحياة الموغلة بالترف و الأنبهار بعيدا عن مرارة الهزائم والأرتداد. ينقل حمودي وعلى لسان آمون: بقي واجماً في تابوته ساهياً يكتم قلقه وهو ينظر الى اللوحات الجدارية مشهد أمامي فرعوني الاله رع رمز الشمس في شروقها وغروبها مصدر النور والحياة أشباح رائعة مخيفة يغتسل توت عنخ آمون بنور الشمس، تقع عيناه الى أجمل صور للاله رع ، فتأخذه الدهشة، والدهشة تنحدر الى رهبة، يا للعجب يهبط توت عنخ آمون على ركبتيه في تابوته ، ويغطي عينيه بيديه ويحني هامته، ويتمتم – يارع، ياوارث الأبدية ، يارب المجد، كل شيء يحيا بشعاعك، ياررمز محسوس لاله غير محسوس، خالق البدايات والنهايات، إله المصريين، لك أنحني، الشمس رمز رع-. وبتحولات تاريخية لعهد توت عنخ آمون من زواجه وهو يسترجع الذاكرة رغم مصرعه على يد وزيره خير خيروا من خلال تلقية ضربة قاتلة من قاتله من الراس بعد حكمة عشر سنوات.والقاص هنا يبدو كقارئ نهم لتاريخ مصر القديم وشغفه الممتع لدراسة ملوك مصر القدماء، وينقلنا في سياق نفس القصة الى سماع معاناة أرملة توت عنخ آمون بأنها لا ترضى  أبداً أن تكون في عصمة  قاتل زوجها خيرخيروا وهي سيدة مصر الأولى، وكيف تطلب من ملك الحيثيين أن تكون زوجة أحد أبناء الملك وتفشل في مسعاها بعد إفشال ذلك الزواج بإغتيال إبن ملك الحثيين من قبل خيرخيرورع اي. أنها مقارنة جد لطيفة وموفقة ،بأن مرض العرش وأبتلاء المهوّسين الحكم بأسم الشعب والمظلومين هو ليس له دواء قوي  وشافي وليس له حلّ ٌ سلمي إذا