
بشار العيسى
لي خرزي الملون، أصيغ منه قلائدَ لنسوتي
حاورته:
ميديا
* في مقال قديم، قرأتُ ذات مرة،
أن بشار العيسى، حيَّر الكيميائيين بألوان طوروس وزاغروس،
قبل وبعد الظهيرة، على ماأذكر.
السياسة لدى بشار العيسى، فهل لكم الحديث عن هذا الكيمياء؟
ـ لست أدري
إن كان لنا أن
نصنف
السياسة في عالم الكيمياء، أم ندخلها مجال الفيزياء
الانسانية القائمة على صراع المصالح من جهة، والتآخي لنوع
من الكائن، بل أكثرالكائنات بهيمية وأكثرها ذكاء، رغم أنه
كائن جميل، يكاد يضاهي خالقه الذي صنعه على صورته ومثاله،
إنه الانسان الباحث عن الطمأنينة، تارة، في عطر وردة،
وأخرى في شرب دم مثيله، يهيم بالأغنية حيناً، ويلوذ
بالعويل أحياناً، الملتجيء بالصخور والكهوف والأودية ورؤوس
الجبال، هرباً وهلعاً من الوحش وبني جلدته، مستقوياً
بالتعاويذ والرقى والآلهة، في هروبه الكبير من الخوف ومن
المجهول.
في تطوره،
في عالم الصيد والمراوغة، وتعاظم الفاحشة التي أفـرزتها
امبراطوريات الرجل السيد، الأب، الزوج، المالك، تشكل وعيه
في تنظيم أملاكه، ثروته ونساؤه، عبيده ومقاتليه، وضبط
حدوده بعلاقات جوارية بالحصون تارة، وبالخيل والعربات
القتالية أخرى، وأكثرها رقياً تلك التي أفرزت معاهدات
ونصوص حقوقية مطعـّمة باللاهوت ـ التعويذة الأقوى، سواء
تلك التي نثرت مقاديرها من على جبال الأولمب، أم تلك التي
حملها إبراهيم الخليل قرميدة سومرية، عملت فيها الأديان
السماوية نحتاً وزخرفة، وأسبغ عليها الأنبياء شتى الأوشام
والمباخر، لتأتي حسب فحش الانسان وحاجة الجماعة في غزوتها
الغريزية إلى الرضا. وعمل فيها القادة والكهنة الباعة،
ترهيباً وترغيباً، تدني الحقيقة إلى مجد الدنيا والنفس
الانسانية التي كلما تطغينت، ازدادت قرباً من بهيميتها،
وكلما ارتقت بمعارفها، ازدادت عفـّة عن فضلات الدنيا، إلى
سموّ الفلسفة ومتعة الخلق، لدخول معبر الاتزان الروحي إلى
السكينة في أزليتها.
يسميها
البعض فناً، وآخرون السياسة، والمشرعون قيم الجمال في
العلاقات البشرية. دخلتها بالصدفة الضائعة في تيه الصيادين
إلى طريدة من سراب، فأخذتني إلى متاهات اللـّعنة البشرية،
حيث الموازين مقلوبة في مختبر الطواحين الهوائية،
والأباريق ملآى بالقبح الذي تراكم بفعل أنانية الانسان
ونفاق الكهنة، العلماء، المثقفين، والشعراء الكسبة مدحاً
وهجاء. نعم، أخذتني السياسة من رائحة خبز التنور وعطر
الكركور في حليب النعاج إلى الألبان المجففة وبرودة
الأسمنت وزنخ البارود المتبرد بالدم الحي الدافـق في حضن
قلب الوردة المتحركة لأبدية الحياة.
أخذتني
السياسة إلى المخاضات الكبرى، حيث تتلاطم أمواج الخديعة
بصخور النفاق في متاهة الغاية التي تبرر وسائلها، فشلت في
الامتحان، وتراني أعيد المحاولة تـلو المحاولة في سبيل
غاية تشرّع بالجمال لوسائلها، وبالحقيقة المرة في مواجهة
الباطل المنتصر بغير الحق الذي يليق بمجد الانسان.
*
في هذا العالم الملي بالمتغيرات السياسية،
كيف يمكننا أن نرقى باللوحة لخدمة السياسة، دون أن تتحول
إلى ملصق إعلاني، أو بوستر سياسي؟
ـ السياسة
واحدة من وسائل الانسان، ليقول كلمته في معرض توقه
بالممارسة، لصياغة الحقيقة الانسانية بالشكل الذي يسمح
بتفعيل النبيل من التشريع الانساني، في استهداف الجمال
القائم على الكمال الكامن في المخزون الروحي والثقافي
للانسان، لخلق التوازن الجميل بين فرديته اللانهائية
الطموح، وحدود مصالح الجماعة في طغيانها الممتد إلى حيث لا
حدود، الا للحقائق المستندة إلى الموازين الدقيقة
والمثاقيل. والفن اللوحة، الأغنية، الموسيقا، الكتابة،
الفلسفة، الشعر، والحكاية، إن هي إلا نصوص تشريعية في
صياغة الجمال الهادف خلاص الانسان الكائن الخالص من
الشوائب المتماهي في الفضيلة والرذيلة معاً، ومن توازن
المستنبط في استقرار الرذيلتين الفضيلتين، يستمد الفن قيمه
الجمالية بالفتنة التي تغري الناسك بالرذيلة، والفاسق
بالفضيلة، لا أرى بينهما ـ السياسة والفن ـ فاصلاً ولا في
تعارضهما ثلماً.
فمنذ اليوم
الذي أجلس كاهن القبيلة عرافها إلى جانبه، ليعينه
بالتعويذة على الجماعة في تمردها، والاثنان في صراع تبادل
الخدمات الواحد للآخر يتخللها الصراع والشغب والعنف
والعقوبة، يتناوبان على ابتزاز الجماعة مصالحها وشروط
حياتها وتخوم ممالكها. وفي اللحظات المنعطفات التي يخرج
أحدهما عن حدوده بالطغيان، أو بالتمرد، يدخل حلبة الخصام،
السياسي المشرع والفنان الفيلسوف، لإعادة صياغة الشرائع
والنصوص التي يتقدم فيها الجمال القائم على الاستقرار
القائم لمصلحة الجماعة ومعاييرها، لتزدهر الوردة في
الحرائق، وتتوالد الأجناس بشكل صحيح من غير طفرات ومن غير
ولادات مبكرة ولا أنجاب منغولية.
* يقولون: كلما مررنا بمكان، امتزجنا به، وامتزج
بنا، هل ثمة تأثير لباريس على لوحة بشار العيسى؟
ـ بالتأكيد
لباريس المكان والجغرافيا والعالم والبشر والمتاحف وصالات
العرض، تأثير على بشار وغيره، باعتبارها المكان ـ المشهد
البصري ـ كما ذكرت، حيث تتروض العين وتتمرأى الذاكرة على
معتادها الأول، فهي المدينة الفضاء خارج الأسواق والباعة
الجوالين، وبائعي الفاكهة المجففة والعنابر المتخمة
بالتوابل والأكاسيد، والشعور المستعارة وأنواع التبغ
الرديء ونفايات المناجم وأصباغ الشعر للمتصابين على كهولة
تخـّت. وفيها تلتهب المواجيد اللونية في حرائق الروح وفطرة
الكبد، فيها المهالك وفيها الفتنة التي تقارب الفتنة
الأولى، وفيها الفضاءات اللانهائية لرغائب النفس، حيث يزهر
الرمان في غير أوانه، ويلبس شجر اللوز فتنة الهضبة
الثلجية، ويتمرأى النبيذ أعنابه في غابة الليل وثغاءات
الصباح المغبش؛ وباريس لا ترحم بائعي الألبسة المستعملة
والتجارة السهلة والمهربين والطغاة. على خليلها أن يدخلها
في وضح النهار ببضاعته الأصلية بعرقه وزبده، بتراباته
وثيابه المحترقة في ضياءات مجرته، بسحنته المضمخة بشموسه
وغباره، بأزاهيره البرية ومتعته الزاهدة في الموائد
المأجورة والولائم المستعجلة. ع