محمود درويش


 

محمود درويش .. وحيدا في البياض

جميل داري

أبدا مفرشه صهوة القصيدة , مسرودة من حديد التحدي و الكبرياء , هكذا كالمتنبي يطل محمود درويش مضرجا برموزه و كنوزه , بعذابه و عذوبته يحيك ثوب القصيدة بخيط الجرح المكابر , و يرمم بعضا من خرائب القلب , و يسدل على ذاكرة النسيان ستائر الذكرى .

أنا الآن أمام (( جدارية محمود درويش )) لوحة شعرية.. قصيدة واحدة في ديوان..

ملحمة درويشية يجود بها علينا في بداية هذا القرن الذي لا يبشر بأي خير .. و كأني بالشاعر يردد مقولة روزنتال

(( إن الحياة تصبح أقل جدارة أن تعاش اذا ما خلت من الشعر ..))

تأبى القريحة الا أن تتفجر  و ترش على جرح الروح بلسم الشعر .. فكان (( لماذا تركت الحصان وحيدا )) ثم

(( سرير الغريبة)) الديوان السابق .. حيث كانت الشمس تشرق في دمه بعد منتصف الليل , و في (( الجدارية ))

تبزغ الورود في شرايينه .. انه الدم الذي يتسلق الجدران حسب الجاذبية الخاصة به , منذ شبابه الأول ..

في (( آخر الليل )) قبل ثلاثين عاما كان صوته يدوي :

                سدوا علي النور في زنزانة           فتوهجت في القلب شمس مشاعل

أجل منذ البداية و محمود درويش يتحدى العاصفة .. يسوق الريح أمامه .. منذ (( بطاقة هوية)) مرورا ب

(( عابرون في كلام عابر )) و ليس انتهاء بالجدارية .. القصيدة الديوان.

هنا كعادته المعهودة و المحمودة يستنفر كل طاقته التعبيرية فيمزج اللغة بالرمز بالتاريخ بالأسطورة بالغنائية بالملحمية بكل اقتدار .. فاذا القصيدة سفر في سفر التاريخ غابرا و حاضرا , و في ثنائية الموت و الحياة .. العدم و الوجود .

اختار أربعة أقانيم رئيسية ليجري معها حوارا و هي المرض , الموت , الحصان , السجان .

في مرضه يحاور الممرضة , معبرا عن هذه التجربة في مقاطع من تفعيلة (( المتقارب )) و من خلال ذلك نتعرف البيئة المحيطة به : طبيب يثير في النفس الامتعاض .. و تداعيات بعيدة : والده العائد من الحج مغمى عليه .. الشباب المغاربة .. رفاقه الثلاثة الذين يخيطون كفنه .. و المعري الذي يطرد نقاده من قصيدته .. و من البعيد تفوح رائحة الخبز (( فما زال تنور أمك مشتعلا ... و التحية ساخنة كالرغيف ))

أما الموت .. فيدير معه حوارا ديمقراطيا لطيفا .. طالبا منه التمهل ريثما ينهي قراءة طرفة بن العبد