بريخت

نصف قرن على رحيل بريخت

نستبدل أوطانا أكثر مما نستبدل أحذية..!

جاسم المطير


في الستينات سمعت اسم برتولد بريخت، لأول مرة، وانا في سجن نقرة السلمان(في العراق)، كواحد من اهم رواد المسرح الملحمي في العالم. غير أنني لم اقرأ له شيئا الا بعد منتصف السبعينات من القرن الماضي حيث ترجمت بعض اعماله المسرحية وبعض مقالاته فظل عالقا بذهني حتى عام 1980 حين شاءت المصادفة ان احضر ذات ليلة عرض احدى مسرحياته '" دائرة الطباشير القوقازية "' حين كنت في زيارة سياحية لمدينة برلين الشرقية مع زوجتي ملك حسين  ، وبصحبتنا مفيد الشيخ  حسين الذي كان قد ترجم لي كل ما يتعلق بالمسرحية من إعلانات وبروشرات وكتابات صحفية ومن ثم مشاهد العرض المسرحي الذي أبهرني إلى حد كبير بروعة الإخراج والديكور والتمثيل وحركة الإنارة المذهلة  ، وقد كان لهذه المشاهدة تأثير كبير على ثقافتي المسرحية، اذ اندفعت وقتها لكتابة مقالة، عن بريخت وعن مسرحيته التي شاهدتها، حال عودتي الى العراق، والتي كان قد تناول فيها موضوعة الطفل الذي تنازعت عليه امرأتان، وادعت كلتاهما امومتها له، لكن القاضي الحكيم حل الاشكال برسم دائرة اوقف الطفل داخلها، ثم جعل كلا منهما تجذبه اليها، مؤكدا بأنه سيكون لمن تنجح في شدة ناحيتها، فينكشف له الامر، اذ ان قلب الام الحقيقية لم يطاوعها، وتركته للاخرى حتى لا تؤذي ذراعه، وكانت هذه المسرحية قد نشرت طبعتها العربية مرتين. الاولى - ترجمة عبدالرحمن بدوي وعلي الراعي، القاهرة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة، .1963 والثانية قام بها عبدالرحمن بدوي بعد ذلك وصدرت عن منشورات صلاح الدين في القدس عام .1980
اما آخر مرة اندفعت فيها وراء بعض ما كان يكتب عن هذا المسرحي الألماني الفذ فقد كانت خلال زيارتي الأخيرة إلى برلين في فبراير الماضي (2006)  حيث كانت الاستعدادات على قدم وساق تجري احتفالا بالذكرى الخمسين لرحيله. ففي هذا العام تحتفل ألمانيا بذكرى مرور 50 عاما على وفاة الكاتب المسرحي والشاعر برتولد بريخت، حيث تنظم العديد من الفعاليات والاحتفالات في مسقط رأسه مدينة 'اولسبورج' وفي مدن المانية اخرى منها مدينة 'برلين' حيث اسس فيها فرقته المسرحية التي عرفت باسم فرقة 'برلين جميعا'. وستستمر الاحتفالات بذكرى رحيله طوال االعام حيث تقدم بعض اعماله كما ستقام عدة ندوات ومحاضرات حول ابداعه المسرحي والشعري، ومن المعروف ان بريخت ولد في عام 1898 وتوفي في 14 اغسطس عام 1956 وقد تنقل في حياته بين العديد من الدول وقدم فيها بعض اعماله ومنها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وفنلندا وغيرها.
شاءت المصادفة ان يتوفى الكاتب والمخرج المسرحي العراقي الدكتور عوني كرومي في ابريل ،2006 وهو اكثر الرواد المسرحيين العراقيين تأثرا واستلهاما بعطاءات بريخت ومبتكراته المسرحية. تلقيت دعوة خاصة للمشاركة بالمراسم الخاصة بتأبينه وتشييعه ودفنه، لكنني لم استطع تلبية الدعوة لأسباب صحية، ثم عرفت ان عوني كرومي قد دفن بمقبرة في برلين قريبا جدا من قبر استاذه وملهمه برتولد بريخت فكان هذا حافزا جديدا للكتابة عن بريخت بمناسبة رحيله عن المسرح والدنيا في عمر قصير لم يتجاوز الثامنة والخمسين مما شكل خسارة كبرى ليس فقط للمسرح الالماني بل للمسرح العالمي وخاصة مسرح ما سمي بالعالم الثالث، ومن ضمنه العالم العربي حيث لا يوجد مسرح في اي بلد عربي لم يتأثر، بصورة مباشرة او غير مباشرة، بمسرح بريخت.
مسرحي موهوب وشاعر رائع
فمن هو بريخت..؟ بريخت مسرحي موهوب الى حد كبير وشاعر رائع، يحتل وزنا في الثقافة الالمانية بما لا يقل عن وزن شيلر وليسنغ. فقد طمح دائما الى انشاء مسرح تنويري، قامت فكرته المسرحية من اعماقه على ضرورة فضح 'الاقوياء' وعزلهم عن التأثير على 'الضعفاء' او استغلالهم داخل المجتمع. ففي اعماقه وجد دافعا لحب العدالة بالوقوف الى جانب المظلومين ضد الظالمين، وهذا ما جعل بعض الكتاب في المانيا الغربية، انذاك، يتهمونه بالشيوعية والالحاد. لقد كان في داخله حب كبير للعدالة، كما انه شعر بنفسه مسؤولا دوما عن مصلحة المظلومين، ولانه كان مسرحيا فقد وضع كل امكاناته الابداعية بهذا الاتجاه.. منذ ايام شبابه وجد ثقة عالية بنفسه حتى نما عنده طموح كبير ليكون عدوا مناسبا للظلم والحروب وكل مآسي البشرية. لقد عاش في عصر منحه منهجا خاصا لتحويل المسرح الى قيمة جماهيرية نفعية في الكفاح من اجل مستقبل الانسان. من هنا توجه طموحه للبحث من خلال المسرح عن العلاقة بين الانسان والبيئة، بين الانسان والسلطة، بين الانسان والحياة بكل مستوياتها الاقتصادية والمعيشية. فمثلا تعرض هذه الايام مسرحية 'جان دارك قديسة المسالخ' وهي مسرحية تدور احداثها في مسالخ مدينة شيكاغو في عشرينات القرن الماضي وتحذر من مخاطر النموذج الاحتكاري. ورغم قدم احداثها تلامس هذه المسرحية واقعنا المعاصر بشكل كبير. فالعولمة لا تمثل في النهاية سوى احتكار عالمي كبير يتقدم نحو العالم كله بشكل مخيف ويبدو انه سيكون وبالا حتى على الاقتصاد الالماني ايضا. كما ان الكثير من الناس يشعرون بأنفسهم مهددين بعواقب العولمة، التي قد تسبب الفقر والبطالة الجماعية. مرة اخرى، احداث تلك المسرحية تدور في زمن شديد الشبه بزمننا الحالي، عندما كف الناس عن الحلم بعصر ذهبي وسادت فيه ازمة اقتصادية عالمية اوقعت الكثير من البشر في يأس كبير. اننا نعيش اليوم في ازمة تشبه الى حد بعيد تلك الازمة الرأسمالية التي تناولها بريخت في بعض مسرحياته، كما يقول احد المسرحيين الالمان.
أيام حالكة الظلمة
ولد بريخت عام 1898 في السبورغ جنوب المانيا، وانتقل الى برلين عام 1924 ليعايش التطورات المعاصرة في مجال المسرح والادب. هاجر من المانيا عام 1933 بعدوصول الحكم النازي الى السلطة في ظل الحكم