tirej
@tirej.net
 




 في حوار لـ الشرق الاوسط أدونيس

لا أستطيع أن أدافع عن الإسلام بدون أن أنتقد التأويل السائد


أدونيس

 

الاسكندرية: داليا عاصم

عشرة أيام قضاها أدونيس في الإسكندرية، ضيفا على مكتبتها في إطار برنامج «الباحث المقيم» الذي يستضيف باحثين في قضايا التراث والفكر من مختلف دول العالم. ومن خلال أربع محاضرات شملها برنامجه، قدم أدونيس ما يشبه المراجعة وإعادة القراءة للكثير من أفكاره ورؤاه الخاصة بقضايا الشعر والتراث، وثنائية «الثابت والمتحول» التي كرس لها كتابه الشهير بهذا الاسم والذي صدر في سبعينات القرن الماضي، كما تحدث عن الذائقة الشعرية العربية ومرجعياتها على المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي، وعلاقة الشعر بالفكر والهوية.

على هامش هذه الزيارة تحدث أدونيس لـ«لشرق الأوسط» عن المتوازيات والمتفارقات في حياته، وعلاقته بالرسم «الكولاج» وحلمه بأن يحترف هذا الفن بعد أن يطلّق الشعر، كما تحدث عن أحلامه، وكيف يخاف من تحققها، كي لا يشعر بالتوقف أو الانتهاء... وهنا نص الحديث:

> إلى أي مدى ترى ثنائية «الثابت والمتحول» التي روجت لها صالحة لإعادة النظر... ألا ترى أن المتغيرات المعرفية والتراكمات التي حدثت في العالم الآن قد تجاوزتها؟

ـ هناك مناهج عديدة صالحة للباحث في قضايا التراث العربي وغيرها. انما لا أزال أكثر ميلا إلى استخدام هذين المصطلحين، لأنهما يتيحان للباحث أن يفلت من قبضة المنهج. فالمنهج قد يكون قيدا أو حجابا، لأنه يوجه صاحبه في اتجاهات محددة، ويحيد به عن قضايا كثيرة، أو يفرض وجهه نظر واحدة، تتطابق مع مقومات هذا المنهج أو مقتضياته. بينما مصطلح «الثابت والمتحول» يتيح مزيدا من الحرية والتحرر، لرؤية القضايا من مختلف الاتجاهات، كما يتيح إمكانات الإحاطة والتعمق بشكل أكبر بالقضايا المدروسة. ولهذا أكرر أنني لا أزال ميالا لاستخدام هذين المصطلحين.

> هل هذا لأن المتن أصبح هامشا والهامش أصبح متناً؟

ـ ربما تكون هذه العبارة سببت نوعا من الالتباس. أنا قلت إن ديوان الشعر العربي أعطى الإمكانية لما كان يعد هامشيا في الماضي أن يتحول الي متن. بمعنى ان الرؤية الجديدة، لم تعد تهتم بالمناسبة التي قيلت فيها القصيدة سواء كانت مدحا أو هجاء أو رثاء، وإنما صارت أكثر ميلا للاهتمام بالنص، بجمالية النص وبنيته اللغوية الفنية والآفاق التي يفتحها أمام القارئ، بصرف النظر عن المناسبة. وأتى ديوان الشعر العربي لكي يضع أمام القارئ نصوصا أفلتت من المناسبة، لا تعتمد على المدح ولا جميع الأغراض القديمة التي كان يتناولها الشاعر. بهذا المعني قلت

إن الهامش الشعري الذي كان يعد هامشيا في الماضي، تحول الى متن وصار هو الأساس.

> يرى بعض النقاد والشعراء أن حداثة أدونيس، حداثة ترتبط باللغة أكثر من ارتباطها بالواقع. فمثلا قصيدتك الأخيرة عن العدوان الاسرائيلي على لبنان، أحس القارئ بأنها لا تتحدث عن هذه الحرب وإنما عن حرب كونية، مجردة من الصلة الحية مع الواقع. فهل اللغة عندك مجرد أيقونة؟

ـ لا شك أنني أعطي أهمية كبيرة جدا للغة، وهو أمر معروف وألح عليه. ولا أعرف كيف يتم الفصل بين اللغة والواقع! فما معنى أن هناك انفصالا بين اللغة التي أكتب بها والواقع الذي أتحدث عنه! هذا لا أفهمه، لأنني لا أراه. ربما قوة اللغة وعلوها وغناها، يخيل للقارئ ان في هذا كله ما يحجب الواقع، لكن هذا نابع من قسوة الواقع وتعقيداته، ومن الرعب القائم فيه.

فالواقع ليس بسيطا لكي تجيء اللغة بسيطة، انه مركب ومعقد وله طبقات عديدة، لذلك فاللغة التي تفصح عنه يجب ـ في تقديري ـ ان تكون هي أيضا، مركبة غنية وقوية، ولها طبقات عديدة. فلو عبرنا، مثلا، عما يحدث في فلسطين بلغة بسيطة، نكون في تقديري، تحت الواقع ودون مستواه. الشاعر، على الأقل، يجب ان يدمج الواقع كله في لغتة لكي يمكن أن يقال أنه يفصح عن هذا الواقع، ويعيد تشكيله في الوقت نفسه. وعموما مثل هذه الأسئلة تصدر عن اشخاص لهم وجهة نظر خاصة في علاقة اللغة بالواقع، وانا احترمها، لكنني أعتقد انها في حاجة لمزيد من التأمل.

> هل تحرص على الغموض في قصائدك؟

ـ لا احرص علي الغموض. الواقع هو نفسه غامض، وإذا أراد الشاعر تبسيطه وتسطيحه فكأنه يخونه. في رأيي، لا يجب على القارئ أن يكتفي بصورة مبسطة يقدمها له الشاعر، ولا يجب أن تكون القصيدة مناسبة للقارئ، فهو يحتاج أيضا أن يغوص في تعقيدات الواقع ومشكلاته. ويجب على الشاعر ألا يكون بمثابة من يهش للقارئ، وإنما من يحرضه على الذهاب بعيدا في فهم ما يحدث.

نحن نعاني من ان ذائقة شعرية ترتبط عضويا بالجواب لا بالسؤال. إنها حرب ضد الاسئلة. وهذه الحرب تؤكد الذائقة على مجرد المشاهدة في ما يتعلق بالصورة والسماع، في ما يتعلق بالشعر وجعله مجرد أغنية لا صلة لها بالتأمل. والمفارقة أنه لا توجد مرحلة في تاريخ الشعر العربي اكثر جهلا بالشعر من هذه المرحلة التي نعيشها الآن.

> كيف يرى أدونيس واقع الشعرية العربية الآن، خاصة في مواجهة الأدب الذي يعتمد على الصورة، وهل نعيش بالفعل ـ كما يقال ـ زمن الرواية؟

ـ باختصار أنا أعتقد أن هناك مواهب شعرية كثيرة عند العرب، لكن التجارب الشعرية الكبيرة قليلة. ولو سلمنا بذلك سيفتقر الشعر العربي إلى سؤال الكينونة، وسيظل مجازفا بأن يكون زيا بين الأزياء البالية سرعان ما تلتهمها الحداثة، وسيظل سجينا في معزل عن التربة الأساسية للغة والشعر وعن فكرة الإنسان والحقيقة.

> هل يصلح الأفق النظري الذي رأيت من خلاله الشعر العربي وشعرائه أن يشكل مهدا لنظرية عربية؟

ـ أنا ضد الواحدية، أي أن يكون هناك رأي واحد يعم ويسود. أنا مع التعددية والكثرة والتنوع لأنها تتيح للقارئ والكاتب أن يرى الواقع بمختلف انحائه ومستوياته. شخصيا، أتمنى أن تكون هناك وجهات نظر كثيرة أفيد منها، وتشكل